Showing posts with label عبد الناصر. Show all posts
Showing posts with label عبد الناصر. Show all posts

عبد الناصر و السد

الكاتب والروائى الراحل محمد مستجاب والذى كان موجوداً فى موقع بناء السد العالى بأسوان يروى فى مقاله "
ذلك اليوم الرهيب.. أين سيذهب به هؤلاء المؤرخون؟:
ماذا حدث خلال حرب 1967 للعاملين بمشروع السد العالى وانعكاسات أحداث الحرب عليهم.
كتب مستجاب :
«غير أن امورا تحدث للواحد منا، أمورا غير مرئية لكنها مؤثرة، تجعله غير قادر على الهروب أو التأجيل أو المراوغة، تحاصره وتضع أحاسيسه ومناطق تفكيره ورؤاه في مربع مضغوط قد يكون حلما أو ذكري أو مقالا متقن الإنشاء لكاتب مغرض، فيجد هذا الواحد. وهو أنا في هذه المرة – نفسه لا يفكر ولا يأكل ولا يشرب إلا تحت سطوة وهالة مثل هذا اليوم. يوم غريب لم يره أصحاب التدوينات التاريخية باسم التصحيح، ولم يدركه كل ذوي القدرة في الإنشاء التاريخي الحديث، ولم ينتبه إليه من شاهدوه أو لمسوه أو حُكي لهم عنه، يوم يخرج على كل وجهات النظر المطروحة لحساب التعصب لعبد الناصر أو المناوئة المعادية لعبد الناصرّ.
يوم الاربعاء 7 يونيو 1967 قد جاء محملا بالنذر والشرور والعذاب، ذلك أن صباحه قد أتي بخبر أذاعته محطة إسرائيل – لمن يسمع محطة إسرائيل- وتناقلته الإذاعات الأخري بسرعة معروفة: فقد طلبت إسرائيل من العاملين في مشروع السد العالي إخلاء الموقع كله تمهيداً لضرب محطة كهرباء السد العالي بالقنابل.
لم تكن محطة الكهرباء قد استكملت أركان وعناصر كونها محطة كهرباء، هي مجرد انشاءات في الصخور حول قناة التحويل وداخلها، وهي القناة التى تم شقها في نفق تحت الجبل في جانب لكي تصبح مساقط مياه داخلية تستخدم في تشغيل توربينات توليد الكهرباء. ولم يكن قد تم تركيب أي توربين أو أية أدوات وآلات وتوصيلات فنية..كانت مجرد إنشاء بنائي صخري معظمه في باطن الجبل، ولا يوجد بها إلا معدات البناء والتخريم وتحريك الصخور، وكلها سهلة الإخفاء والتحريك كما أنها لا تتعرض للضرب بأية حال لأنها ليست في منطقة مكشوفة.
وكان من المتوقع أن يلجأ العاملون في المنطقة كلها إلى الهرب بعيدا ولو بالسير على الأقدام، منذ ترديد الإنذار الإسرائيلي صباح ذلك اليوم، حتي أن بعض العاملين أصابته عصبية كاسحة فاعترض على الذين يسمعون الراديو، بل وحدثت مشاجرات أدت إلى تحطيم راديو النادي وراديو مطعم الشركة.
حين حمى العمال محطة كهرباء السد بأجسادهم
في مثل هذه الحالات تنتابني حالة من الانشقاق النفسي لا زلت أدركها وأفهمها، إذ – دائما –أفاجا بنفسي وقد انقسمتُ قسمين: واحد منفعل ويصرخ ويؤكد وينفي، وواحد ينزوي داخلي يرقب ويمعن ويرصد في يقظة جادة وحادة وبالغة الحساسية، ذلك أن الناس الذين اعتقدت أنهم تجاوبوا مع الإنذار الإسرائيلي، والذين تحركوا من المواقع البعيدة مستخدمين سيارات اللوري أو حتي على أقدامهم، وبدون واعظين من التنظيمات السياسية ولا مؤثرين من الاتحاد الاشتراكي، وبدون أي فرد يقود أية جماعة من الخمسة والثلاثين ألفا الذين يعملون في الموقع..الأميون والجهال والذين يفكون الخط والذين يعملون في مختلف الأعمال الفنية أو الترابية أو الهندسية..المظلومون والظالمون وعمال الرمل والزلط والمتخصصون في التفجير وفي قيادة الكراكات والبلدوزرات والسيارات، الذين يعملون في أنفاق الأرض أو على سطحها، الذين في ورديات العمل والذين خارج الورديات، القادرون والعاجزون..الكل تحرك، كل واحد بنفسه ودون دعوة تحرك..إلى أين؟…
إلى مشروع محطة الكهرباء، تلك الواقعة في نفق التحويل، وفي عز لهيب يونيو المشتعل في منطقة أسوان، «حيث الشمس عمودية على مدار السرطان الذي تقع المنطقة فيه»، الكل يتحرك يزأر ويصرخ ويبكي ويلعن، ثم يجلس على فتحة محطة الكهرباء، حول الفتحة الواسعة وعلى شفتيها وعلى أصداغها وتحت أنفها وفوق هامتها، كل منطقة محطة كهرباء السد العالي، سواء ما كان منها داخل النفق أو خارجه أصبح محتميا بأجساد كل العاملين في السد العالي، منذ التهاب الظهيرة في الصخور والرمال والزلط والحديد المسلح، ودون أن يمر أحد بين كل هذا الحشد الذي يعلو على أي مشهد، ليبيع الشاي والمعسل والطعام والماء، أجساد فقط تتحرك في حدود أن يجد كل جسد المساحة التى تصلح مستقرا ساخنا ودون اعتبار لما قد يدور في الذهن- وقد دار بالفعل الجزء المنشق مني: ماذا يمكن أن تفعل هذه الأجساد العزلاء إزاء قنابل الفانتوم والميراج؟!
يدور هذا في العقول دون أن يتجرأ أحد ويعلنه جهرا..يكفي هذا الشعور الجمعي الذي هيمن على الناس بمختلف قدراتهم ووعيهم وإدراكهم، أن هذا المشروع هو ملك للناس، وليس لأحد آخر حتي ولو كان عبد الناصر ، لم يقولوا ذلك لكنهم فعلوه.وقد ظللنا ننظر إلى السماء طوال ذلك النهار الملتهب، ثم عندما حل الليل، حيث لم يغادر أحد مكانه، حتي آخر الليل، ودون اضطراب لظهور طائرات اقتربت أو ابتعدت، لقد ظل المشهد الرهيب رهيبا.
دعنا الآن مما حدث في اليوم التالي، أو الذي تلاه أي يوم تنحي عبد الناصر وما كتبه المحللون والقوالون والخباصون والزاعمون أنه حدث – بتأثير من قيادة التنظيم السياسي – ودعنا أيضا مما حدث بعد ذلك بثلاث سنوات في 28 سبتمر 1970 يوم رحيل عبد الناصر نفسه، إذ أن العاطفة قد لعبت دورا فيه قبل أي تنظيم سياسي بالتأكيد. أما ما حدث يوم الانذار بتدمير محطة كهرباء السد العالي فقد كان خارج قدرات العاطفة والانفعال وأيه تنظيمات معروفة في التاريخ..لقد كان يوما رهيبا وعظيما، وأعظم ما فيه أن كافة الكتّاب لم يدركوه، ولم ينتبهوا له، لأنه خارج قدراتهم المحدودة أيضا…
------
محمد مستجاب

نص شهادة الشاذلي حول حرب الكونغو

نص شهادة الشاذلي حول حرب الكونغو
" تفريغ لحوار الفريق سعد الدين الشاذلي مع احمد منصور حول دور مصر في حرب الكونغو "

المشاركة المصرية في الكونغو وتأثيرها على الشاذلي سياسياً وانعكاسها على وضع مصر دولياً
ارسلت مصر قوات عسكرية الى اليمن والكونغو و ساعدت ثورة الجزائر ضد المحتل 
كان قائد الكتيبة المصرية المسافرة الى الكونغو هو الفريق سعد الدين الشاذلي و فيما يلى نص شهادتة عن هذة البعثة كما قالها في قناة الجزيرة في برنامج شهادتي للتاريخ 
أسباب ودوافع البعثة العسكرية المصرية إلى الكونغو
أحمد منصور: سعادة الفريق.. في العام 1960م تم تشكيل أول قوة عسكرية مصرية، للمشاركة في مهام تابعة للأمم المتحدة، وكانت مهمتها إلى الكونغو، وكنت أنت قائد هذه الكتيبة، يعني فيه أشياء كثيرة أنت كنت أول من فعلها، وكان هذا أول مشاركة مصرية في قوات الأمم المتحدة، كيف حدث هذا؟ وما طبيعة العلاقة التي كانت قائمة ما بين الرئيس عبد الناصر وما بين (لومومبا) في الكونغو في تلك الفترة؟
سعد الدين الشاذلي: الرئيس عبد الناصر في هذا الوقت لم يكن بطلاً مصرياً عربياً، فحسب، بل كان بطلاً عربياً، وزعيماً عربياً وزعيماً إفريقياً، وكان بيساعد معظم الحركات التحررية في العالم العربي، وفي إفريقيا، فكان له شهرة كبيرة جداً..
أحمد منصور[مقاطعاً]: هل وضع مصر كان يسمح لها أن يكون لها هذا الامتداد، وهذا النفوذ في الوقت اللي أمامها عدو واضح هو إسرائيل، كان يجب أن توجه طاقاتها إلى ..
سعد الدين الشاذلي: مرة أخرى أقول: أنا كنت قائد كتيبة، فأنا لا أريد أن أناقش مواضيع إلا اللي أنا عنصر أساسي في إحداثها أو على اتصال مباشر بها.. على اتصال مباشر بها. 
أحمد منصور: سأحقق لك هذه الرغبة، وإن كنت أنت أيضاً محلل عسكري..
سعد الدين الشاذلي[مقاطعاً]: صح.
أحمد منصور[مستأنفاً]: ومن خلال -أيضاً- تحليلك، ورؤيتك وشهادتك تستطيع أن تدلي برأيك في هذه الأمور.
سعد الدين الشاذلي: ممكن في هذه الحالة أدلي بتحليل، ولكن ليس مبني على بيانات موجودة في هذا الوقت يعني أعود مرة أخرى على إن إيه؟ نتيجة هذا الموقف الزعامي لجمال عبد الناصر، فإنه كان بيشارك في العمليات التحررية ضد الاستعمار في أفريقيا كله، ومنهم لومومبا، لما راح على الاستعمار البلجيكي، و(لومومبا) وصل الى الحكم كان من الطبيعي إن جمال عبد الناصر يقدم له الإيه؟ 

أحمد منصور: المساعدة.

سعد الدين الشاذلي: المساعدة.

أحمد منصور [مقاطعاً]: رغم أن الكونغو تبعد عن مصر خمسة ألاف كيلو؟

سعد الدين الشاذلي: تمام كده، ولكن الغريب إن إحنا رحنا بطائرات أميركية، ما هو شوف التناقضات يعني، ولكن -كما قلت- السياسة الخارجية مافيهاش زواج كاثوليكي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: إحنا مش سعادة الفريق- نتجاوز النقطة دي، كيف ذهبتم بقوات أميركية لدعم.. بطائرات أميركية لدعم لومومبا وكانت العلاقات بين عبد الناصر وأميركا ظاهرها أنها علاقات متوترة في ذلك الوقت؟

سعد الدين الشاذلي: مش لدعم.. مش لدعم لومومبا، إحنا لدعم الأمم المتحدة، وما هو شوف.. قلت إن السياسة مالهاش -للأسف الشديد- أخلاقيات يعني، لها مصالح، وأميركا عندما تجد أن الحليف بتاعها أصبح عبء عليها تتخلى عنه على طول، وهذا حصل في التاريخ، حصل مع شاه إيران.. وخلافه وكثير فأمريكا عرفت إن جمال عبد الناصر له قوة تأثير، ولا يمكن إنها تعمل حاجة في أفريقيا ما لم يكن إيه؟ مصر..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هناك ترتيب معها..

سعد الدين الشاذلي [مستأنفاً]: مصر لها مشاركة فيها، فلما حصل إن إيه؟ البلجيك انسحبوا ولومومبا وصل إلى الحكم لازم يكون فيه قوة تضمن هذا الموقف، تضمن سلامته، فكان قرار الأمم المتحدة والأمم المتحدة هاتبعث قوات، علشان تسيطر على هذا الموقف، وتثبت الموقف، أو بمعنى آخر تملا الفراغ اللي كان إيه؟ ملياه إيه؟ بلجيكا.. فأنا رحت مش علشان أدعم لومومبا، أنا رحت علشان جزء من قوات الأمم المتحدة، لمليء الفراغ نتيجة طائرات انسحاب إيه؟
أحمد منصور: البلجيكيين.

سعد الدين الشاذلي: البلجيك، ففي إطار الأمم المتحدة طائرات c 130 أميركية، هي اللي جت، ونزلت هنا في مطار القاهرة، وهي اللي نقلتني بالكتيبة بتاعتي إلى إيه؟ إلى (ليوفودليت).

أحمد منصور:نعم، سعادة الفريق.. في ذلك الوقت كان هدف الرئيس عبد الناصر هو دعم لومومبا أم فعلاً المشاركة أو إدخال إلى نطاق المشاركة في عمليات السلام، وقوات حفظ السلام في العالم؟

سعد الدين الشاذلي:ما تقدرش تفصل الاتنين عن بعض، ما تقدرش تفصل عن بعض، طبعاً الظاهري والرسمي، إن إحنا..

أحمد منصور [مقاطعاً]: تحت راية الأمم المتحدة وحفظ السلام 

سعد الدين الشاذلي:تحت راية الأمم المتحدة، إنما أنا كقائد كتيبة ما أقدرش أنسى إن أنا جزء من النظام المصري، و.. ومؤمن -في هذا الوقت- بهذه التوجهات، وإن لازم نساعد الدول الإفريقية في إنها تنهض، وإنها تناهض الاستعمار وكذا.. ولازم نثبت أقدام لومومبا، فمتقدرش تفصل دول عن دول، إنما ده موجود، وده موجود.

أحمد منصور: كيف كانت تجربتك كأول قائد مصري لكتيبة مصرية، للمشاركة في مهام حفظ السلام بعد عام 52 كيف كانت تجربتك في الكونغو؟

سعد الدين الشاذلي: طبعاً.. تجربة ثرية جداً، لأنك أنت يعني أي قائد مهما كبر وهو موجود هنا في وسط البلد بتاعته، دايما هناك من هو أكبر منه، إنما لما تيجي أنت تبص تلاقي على بعد خمسة آلاف كيلو زي أنت ما قلت، خلاص أنت معتمد على نفسك on your own بشكل في كل حاجة، يعني كأنك ممثل لرئيس جمهورية، وأذكر جمال عبد الناصر كان عنده برضو رؤية، هو.. أنا قائد كتيبة وهاروح ضمن الأمم المتحدة..

أحمد منصور[مقاطعاً]: هو اختارك -الرئيس عبد الناصر؟ يعني هل كان له دور في اختيار قائد هذه المهمة التي كانت الأولى؟ وله أهداف أيضاً سياسية من ورائها؟ 

سعد الدين الشاذلي: برضو مقدرش أضيف على هذا، وإن كنت أعتقد أن هذا حصل يعني، أعتقد يعني برضو كتحليل يعني، لأن لا يمكن حتى القائد العام لما ييجي هكذا يقول لك أولاً هنبعت كتيبة، هنبعت إيه؟ كتيبة مظلات، طب كتيبة مظلات.. طب مين اللي هايقودها؟ يبقى.. خدت بالك؟ فلازم يحصل نوع من التشاور قطعاً، حصل هذا، إنما اللي حصل بقى، فوجئت أنا بقى.. يعني عايز أجهز الكتيبة في 24 ساعة، بالمظلات بتاعتها باللي.. باللي.. باللي.. كل ده في وقت.. وبعدين تبص تلاقي بقى كان وقتها.. المهم قالوا لي إن جمال عبد الناصر قال لهم إيه؟ قال لهم: الراجل ده هايروح دلوقتي وهايبقى في آخر الدنيا وجايز تطلع له مشاكل مايعرفش يحلها، طب إيه الفكرة؟ قال: أدو له 50 ألف دولار باسم الكتيبة أصرف منها، مفيش قيود، يعني خدت بالك؟ أنا فعلاً يعني مهياتنا والجنود دي موجودة هنا، وبناكل هناكل على حساب الأمم المتحدة، وهناخذ pocket money من الأمم المتحدة، إنما فيه حاجات unexpected، وفعلاً ظهرت حاجات unexpected فراح محول باسمي على بنك في (ليوفودليت) خمسين الف دولار، أنفق منها دون أي قيود، مافيش (أهوه) يعني ماتقوليش لا سلطة وزير مالية، ولا سلطة بتاع، المهم إن أنا بأقول: بصرف كذا، وبقول كذا كذا كذا، فدي برضو من ضمن اللمسات اللي إيه؟ مش كل واحد ياخد باله منها، فرحت هناك طبعا أنا رايح تبع الأمم المتحدة، تبص تلاقي الناس الكونغوليين اللي هم العاديين، رجل الشارع يعني، مقبلنا بالأعلام المصرية، أنا رايح أمم متحدة. فده يوريلك إيه؟ سمعة مصر، وسمعة جمال عبد الناصر، هه؟ عند الناس دول، فقلت لك ما تقدرش..

أحمد منصور [مقاطعاً]: انطباعك إيه؟ وأنت على بعد خمسة آلاف كيلو، ولقيت مصر والأعلام، وعبد الناصر وكذا..؟

سعد الدين الشاذلي: آه.. ده مش كده وبس، ده أنا معايا شحنة من المطبوعات بالعربي وبالفرنساوي، علشان أوزعها على الناس دول كمان، زي ما قلت لك ما تقدرش تفصل دي عن دي، فطبعاً بأوزع لهم الحاجات الإعلامية دي كلها، فطبعاً كانت فترة ثرية وفي الوقت نفسه الأمم المتحدة هي مصدر المعلومات، وهي مصدر السلطة

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند الكونغو والمهمة التي انيطت بك لقيادة الكتيبة المصرية للمشاركة في القوات التابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام هناك بعد خروج.. بعد مجيء (لومومبا) وخروج البلجيك من تلك الدولة التي كانوا يحتلونها.. سعادة الفريق من المعروف أن الرئيس عبد الناصر كانت له طموحات في أفريقيا وكان له دعم خاص لحركات التحرر، الولايات المتحدة كان لها أيضاً مخططاتها ولها استراتيجياتها، هل وجدت حينما وصلت بالقوات المصرية إلى هناك إن مشاركتكم في هذا الأمر يجب أن تكون تحت سيطرة وتوجهات الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، خاصة وأنكم ذهبتم بطائرات أميركية؟ هل لكم كانت أيضاً مقاصد أبعد من مجرد حفظ السلام في تلك المهمة؟

سعد الدين الشاذلي: كما سبق أن قلت ما تقدرش.. لا تستطيع أن تفصل هذا عن هذا، نحن ذهبنا تحت علم الأمم المتحدة، ولكن توجهات مصر معروفة، وكان ذلك واضحاً من المكان الذي خصص للكتيبة العربية.

أحمد منصور: كيف؟

سعد الدين الشاذلي: وضعت في.. لو تتخيل الخريطة بتاعة الكونغو في أقصى الشمال الغربي من الكونغو، الكونغو مساحة واسعة جداً، فكان تبعد عن (ليوبرلفيل) العاصمة أكثر من ألف كيلو، يعني المنطقة اللي أنا فيها...

أحمد منصور [مقاطعاً]: حتى لا يكون لك أي شكل من أشكال التأثير.

سعد الدين الشاذلي: أيوه يعني تصور المكان اللي أنا متمركز فيه يبعد عن (ليوبولفيل) 
العاصمة ألف كيلو.. ألف كيلو...

أحمد منصور [مقاطعاً]: فأتاحوا لكم فرصة المشاركة والعزل في نفس الوقت عن ممارسة أي دور.

سعد الدين الشاذلي: تقريباً آه، وكنت أنا ماسك على الحدود بين الكونغو وإفريقيا الاستوائية اللي هي كان فيها الاستعمار الفرنسي مازال قائم، كان بيننا وبينهم نهر يعني النهر هو الحد الفاصل بين الدولتين، كنا بنسمع الموسيقى بتاعتهم حتى في الطرف الآخر، فأولاً إنما كانت فرصة.. فرصة الاحتكاك العسكري لأول مرة مع قوات مسلحة أجنبية بس كلهم أفارقة.. كلهم أفارقة، فيعني على سبيل المثال...

أحمد منصور: قبل هذه، اسمح لي سعادة الفريق فيه جملة حضرتك ذكرتها وهي الكتيبة العربية، ماذا كنت تقصد بالكتيبة العربية وليس المصرية؟

سعد الدين الشاذلي: أيوه، كان الاسم بتاعها كده لأنها كانت كتيبة مشتركة من المصريين والسوريين، وكانت مصر في هذا الوقت الجمهورية العربية المتحدة.

أحمد منصور: كانت الوحدة السورية المصرية قائمة.

سعد الدين الشاذلي: واسم.. مصر اسمها الجمهورية العربية المتحدة تشمل الإقليم الشمالي اللي هو سوريا والإقليم الجنوبي اللي هو مصر.

أحمد منصور: هل كان معك سوريين في؟

سعد الدين الشاذلي: معايا سوريين.

أحمد منصور: كانت نسبتهم كم؟

سعد الدين الشاذلي: الكتيبة، 3/1 الكتيبة سوريين و3/2 مصريين، وده برضو المرة الأولى و الأخيرة التي يدمج فيها المصريين والسوريين في وحدة واحدة تحت قيادة واحدة. 
أحمد منصور: عسكرياً.

سعد الدين الشاذلي: الأولى والأخيرة، الكتيبة العربية في الكونغو، وبعد العودة حلت وعاد الأمر كما كان عليه القوات السورية سورية والقوات المصرية مصرية.

أحمد منصور: هل كان السوريين، عفواً طالما تطرقنا لهذا، السوريين كانوا بيستشعروا إن هم سوريين وكانوا وحدهم ولهم قيادتهم، أم كانوا فعلاً بيشعروا بشكل من أشكال الامتزاج والذوابان مع المصريين؟

سعد الدين الشاذلي: ده يتوقف على الفرد نفسه، إنما أقدر أقول إن أيه، المزاج العام كان فيه قناعة من الطرفين إن قوتنا في إن إحنا نتحد، هي المسألة ما دام تكون فيه قناعة، أنا لوحدي غير قادر، وأنت غير قادر لوحدك، إنما لما نندمج فيبقى فيه قوة للطرفين، فلازم يكون فيه مكسب للطرفين، أصل لا يمكن إنك أنت تعمل وحدة، ويكون فيها مكسب لطرف واحد، ولا يتماشى مع العقل والمنطق يعني. 

أحمد منصور: نعود إلى الكونغو وما ذكرته سعادتك من إن كان فيه شكل من أشكال الاستفادة من خلال الاحتكاك مع..

سعد الدين الشاذلي: مافيش شك، الإفادة العسكرية مثلاً إني أبدأ.. لأول مرة بنشوف قوات مسلحة أجنبية، يعني إحنا ما كانش أيامينا لا بنعمل قولة مناورات مشتركة مع دول أخرى، لأنه أميركا وإنجلترا دول كلهم أعداء بالنسبة لنا يعني بالعكس بنخفي عنهم كل أسرارنا، وهذه الأسرار لا يمكن إنك أنت تخفيها لما تعمل مناورات مشتركة مع دول أخرى يعني، فشوفنا الدول بس كل القوات الأجنبية اللي كانت هناك قوات يا إما عربية يا إما أيه، يا إما أفريقية.

أحمد منصور: ما هي الدول العربية الأخرى التي شاركت؟

سعد الدين الشاذلي: كان فيه تونس، وكان فيه المغرب، المغرب كان لها قوات، وتونس كان لها قوات، فيه إندونيسيا كان لها قوات، أثيوبيا لها قوات، كثيرين يعني بس دي اللي هي القوات الرئيسية الكبيرة يعني، السودان كان له عدد محدد من الأفراد، فشوفنا وبعدين ده بيشعرك مرة أخرى بالتميز، لأن مثلاً تبص تلاقي الله دا التنظيمات والتسليح بتاعهم زي التسليح بتاعنا قبل الثورة، اللي هي البندقية...

أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني كنتم أنتم أحدث تسليحاً من كل القوات الأخرى الموجودة؟

سعد الدين الشاذلي: طبعاً، يعني الكتيبة بتاعتي اللي هي عددها لا يتراوح أكثر من 500، إنما قوة النيران بتاعتها.. قوة النيران بتاعتها تعادل قوة نيران أكثر من لواء.

أحمد منصور: يعني كنتم تقدروا تعملوا انقلاب فعلاً. ولهذا أبعدوكم إلى منطقة نائية.
سعد الدين الشاذلي: قوة النيران.. فتبص تلاقي التنظيم يعني كل جندي يعني بيحمل بندقية رشاشة، فكمية النيران كبيرة يعني، وعندي أسلحة مضادة للطائرات رشاشات ثقيلة ويعني فيه تسليح متميز عن التسليح بتاع الأيه؟ الدول الأخرى خدت بالك، تحس إن أيه، الله طب أنت لما تقارن نفسك هم أكثر عدداً، خدت بالك، ولكن يعني تبص تلاقي لواء، ولكن كمية النيران بتاعته لما تيجي تحسبها كمية النيران بتاعة الكتيبة بتاعتي تكون أكثر، فالاحتكاك ده كان له فوايد في إن إحنا بنشوف دول بيفكروا إزاي وكذا كذا كذا.

أحمد منصور: كان فيه فوائد لمصر نفسها من وراء هذه المشاركة؟ 

سعد الدين الشاذلي: مرة أخرى بتقذف وأنا كقائد كتيبة إلى مستوى رئيس وزارة مثلاً أو أيه.. أو حاكم، فهذه أيه.. أكبر من..

أحمد منصور: أنا آمل.. أنا آمل سعادة الفريق إن ده ما يكونش هروب من السؤال يعني.

سعد الدين الشاذلي: لا أبداً ما هوش هروب يستحيل، لابد أنا لا أريد أن أجيب على حاجة نظرية إلا زي ما بأقول لك لما بنيجي نتكلم على الحل العسكري، لما أنظر على التجربة كلها وآجي أقيمها أتكلم كمحلل عسكري.

أحمد منصور: كمحلل عسكري.

سعد الدين الشاذلي: وكقارئ للأيه.. للتاريخ يعني.

أحمد منصور: عفواً أنا قبل ما آخذ رأيك كمحلل عسكري، الآن أنت كنت تذهب أو ذهبت إلى هناك وفي ذهنك يعني أشياء محددة، فوجئت بأنهم قد وضعوك هناك في أقصى الشمال الغربي بحيث لا تستطيع أن تحقق شيئاً مما كنت تصبو إليه من وراء الوجود العسكري كهدف من أهداف الذهاب، ماذا فعلت؟

سعد الدين الشاذلي: وفي ذهنك شيء معين، لا لم يكن في هذا في ذهني، دا استنتاج بقى لما بصيت لقيت نفسي موضوع في أيه..

أحمد منصور: في أقصى الشمال الغربي.

سعد الدين الشاذلي: في أقصى الشمال الغربي ومش كده بس دا أنا الجار بتاعي على طول بقى دولة معادية فرنسا، فرنسا موجودة على الحدود ووصل بيهم إن في يوم من الأيام دخلوا بسيارتين على كان فيه بلد اسمها (الليجنجي) دي على الحدود على طول كان فيها سرية وفاتوا على طيران واطي بارتفاع مثلاً 50 متر أو 100 متر، show force يعني استعراض للقوة، استعراض قوة عشان يشوفوا أيه اللي هيحصل.

أحمد منصور: رد الفعل.

سعد الدين الشاذلي: أيه رد الفعل، طبعاً أنا قلت لك أنا على مسافة 5000 كيلو ولازم أتصرف، طبعاً السرية أنا كنت حاطط سرية في هذه المدينة، أو مش مدينة تجمع يعني هي بين.. بين القرية وبين المدينة، فيعني زي ما تقول مستعمرة يعني، ما عندوش أسلحة مضادة للطيران، قمت قلت أنا أعمل كمين لهذه الطيارات عندي 6 مدافع مضادة للطائرات الثقيلة يعني، رشاشات ثقيلة رحت واخذ الأربع مدافع دول كلهم اللي عندي وموديهم هناك عند.. في منطقة (اللينجيجي) دي وقعدت على أساس إن أنا أعمل كمين إن لو جم أضرب على طول أنا سواء تبع الأمم المتحدة أو أنا تبع.. تبع مصر مافيش قائد يسمح لناس إنهم أيه.

أحمد منصور: ينتهكوا مجاله.

سعد الدين الشاذلي: أنا موجود هنا هوت يعني، المفروض إنك أنت لما تيجي كده أنت معتدي، سوا بتعتدي على الأمم المتحدة أو بتعتدي على مصر ده النتيجة واحدة، ولكن ما بأقدرش أقول لمحسن الحظ أو لسوء الحظ ماكرروهاش أيه..

أحمد منصور: قيادتك في.. في ذلك الوقت كانت.. كنت بتعود إلى القيادة المصرية أم إلى قيادة الأمم المتحدة؟

سعد الدين الشاذلي: لأ إلى قيادة الأمم المتحدة طبعاً، إلى قيادة الأمم المتحدة، لأن أنا تابع للأمم المتحدة والقيادة بتاعة الأمم المتحدة في (ليوبولغيل) وأنا كانت القاعدة بتاعتي في (جنزآب) أو في يمكن ما تتخيل مثلاً المساحة اللي أنا كنت مثلاً مسؤول عنها بالكتيبة دي يعني مساحة (...) مساحة ضخمة يعني، مساحة ضخمة.

أحمد منصور: سعادة الفريق هل سعيت إلى إنك أنت تحاول تكون قريب من العاصمة، تحاول إنك يعني تدعم حركة التحرر هذه التي كان الرئيس عبد الناصر يدعمها ويقف إلى جوارها وهي حركة لومومبا؟

سعد الدين الشاذلي: هذا الفكر بدأ يتولد عندنا بعد سقوط (لومومبا)، لأن طول ما (لومومبا) في الحكم ما تفرقش معانا إن أنا موجود في الشمال أو موجود في الجنوب، ولكن لما حصل انقلاب ضد لومومبا وجه (موبوتو) للحكم منذ اليوم الأول ابتدى يهاجم مصر بصفة عامة ويهاجم جمال عبد الناصر هجوم شديد وإنهم مستعمرين وإنهم مش عارف أيه والكلام ده وما يصحش يستنوا في الأمم المتحدة، حاجات من هذا القبيل، فكان الحكم بدل ما كان فيه موالاة مع مصر أصبح أيه.. معادي لمصر، وهنا بقى ابتدى الفكر إن لازم يكون لنا أيه.. قوة تأثير، وأنا موجودة في أقصى الشمال، وكان عندي طائرة، كانت مصر سيبة لي طائرة إليوشن 14، الطيارة بتشيل 20 واحد، إنما بالطيارة دي ابتديت أسرب بعض من القوات بتاعتنا مرة 10 ومرة 20 يروحوا كده ويروحوا، يروحوا 20 ويرجع 5..، فبعد فترة زمنية كنت حطيت في مطار (ليوبولفيل) يجي 200 عسكري.

أحمد منصور: مصري.

سعد الدين الشاذلي: مصري، آه خذت بالك، حبس قائد قوات الأمم المتحدة كان اسمه جبرال (رانهور) حس بإن أنا أيه عملت العملية دي، فطلبني في المكتب، وقال لي: أنت نقلت قوات إلى مطار (ليوبولفيل) في إنما اللي هأنقلهم في (ليوبوفيل) احطهم فين، ففي المطار في حتة فاضية كده وأيه.

أحمد منصور: وقعدوا على الكفر.

سعد الدين الشاذلي: قعدوا على الكفر، فحاجة ما تقدرش تخبيها يعني، 200 عسكري بالخيام بتاعتهم بالتباع ومش عارف أيه، بأكلهم مش ممكن، فطلبوني فرحت قابلت جنرال (رانهور) في المكتب فقال لي: أنت نقلت قوات كذا وما خدتش إذن بيها، ومين اللي قال لك تنقلها وبتاع؟ أنا سبته يتكلم في الآخر وبعدين قال لي: لازم تسحب القوات دي، هنا كانت بقى الأمور كانت شدت إلى مرحلة المواجهة وطبعاً بمبادرة مني يعني الحقيقية.

أحمد منصور: قيادتك.. قيادتك في مصر ليس عندها علم بهذا الخطوة.

سعد الدين الشاذلي: ليس.. ليس لديها علم.

احمد منصور: اجتهاد شخصي بحت منك.

سعد الدين الشاذلي: اجتهاد شخصي.. اجتهاد شخصي إنما أنا فاهم الخط العام بتاع أيه..

أحمد منصور: يعني سعادتك بادي المشاغبة من بدري.

سعد الدين الشاذلي: لأ، وإدخال النواحي العسكرية مع الناحية السياسية بدايتها.. بداية إيجاد نوع من الترابط بين الأيه القوة العسكرية والقيادة السياسية، خدت بالك، فقال لي اسحب القوات فوراً ورجعها..، قلت له: لا مش هأسحب القوات، الراجل فوجئ بهذا الرد يعني.

أحمد منصور: ده مش عصيان عسكري يعتبر؟

سعد الدين الشاذلي: ده.. ده تمرد عسكري، ده تمرد عسكري واحد برتبة عقيد، أنا عقيد وهو جنرال خدت بالك، فإزاي بيقول هذا الكلام، أنت إزاي بتقول هذا الكلام؟ أنا أقدر أقدمك للمحاكمة وأقدر مش عارف أيه، أقدمك للمحاكمة دي فيما معناها بعد كده كمان.. خدت بالك، فالراجل بقى يعني وشه أصفر وأحمر وأخضر وبقى قايم رايح جاي، فكان المساعد بتاعه واحد (...) اسمه جنرال (ريخي) دا كان هندي قال له يا جنرال سبني أنا هأكلم الكولونيل ده وبتاع واتفاهم وخدني وطلع من المكتب، قال لي: اسمع بقى أنت لازم تشيل من دماغك خالص إنك أنت مصري، أنت هنا لابس البريه الأزرق وأنت تبع الأيه..

أحمد منصور: الأمم المتحدة.

سعد الدين الشاذلي: تبع الأمم المتحدة، أنت دلوقتي لازم تنفيذ الأمم المتحدة وإزاي.. إزاي بتقول للجنرال إنك أنت مش هتسحب القوات، أنا.. بيتكلم عن نفسه. بيقول له: أنا كنت قائد الكتيبة الهندية في قطاع غزة تبع الأمم المتحدة، وكنت تابع للأمم المتحدة 100% وبأنسى حكاية إن أنا علاقتي مع الهند خالص سبتها، يعني قلت له ما أقدرش أفصل بين الاثنين مع بعض، فالمهم..

أحمد منصور: يعني كان واضح الآن هم فهموا إن.. إن سعادتك الآن بتعكس وجهة النظر أو التوجه السياسي المصري تجاه انقلاب (موبوتو)؟

سعد الدين الشاذلي:بالضبط، بالضبط كده.

أحمد منصور: كانت واضحة.

سعد الدين الشاذلي: بالضبط كده.

أحمد منصور: وكانت واضحة عندك كمان؟ كنت ناوي تعمل أيه بالضبط؟

سعد الدين الشاذلي: لا طبعاً واضحة طبعاً، لا لا من غير، المهم يكون فيه قوة.. يعملوا لنا حساب بس، يعني.. يعني يبقى فيه لك قوة وتأثير.

أحمد منصور: يعني بتقول لموبوتو اختشي عيب بطل شتيمة في مصر.

سعد الدين الشاذلي: يتعمل.. يتعمل حساب للموقف المصري، ما تبقاش يعني لقمة سائغة يعني، و200 في (ليوبولفيل) دول يعلموا انقلاب يعني، فالمهم بقى قام لما وجدوا مني هذا الموقف المتصلب قام قالوا المشكلة بقى سياسية، خرجت عن النطاق العسكري بقى، ده راجل تبع الأمم ال متحدة وما بينفذش أوامر الأمم المتحدة ما فيش حل، فاتفقوا معايا قالوا لي أيه: الساعة 6 مساءً -كان الكلام ده الصبح يعني- الساعة 6 مساءً تيجي ومعاك الأيه.. السفير المصري.
أحمد منصور: في ليبرازفيل.

سعد الدين الشاذلي: لا لا في (ليوبولفيل).

أحمد منصور: في ليوبولفيل..

سعد الدين الشاذلي: ليوبولفيل كانت العاصمة ليوبولفيل اللي هي (كنشاسا) اللي هي (كنشاسا) فرحت أنا قابلت مراد غالي، كان مراد غالي في وقتها.

أحمد منصور: الذي أصبح وزير خارجية مصر.

سعد الدين الشاذلي: الذي أصبح فيما بعد وزير خارجية مصر، قلت له: حصل كيت وكيت وكيت وحكيت له القصة علشان ما.. وأنا عملت كذا وكذا، والراجل قال لي كذا وقلت له ما..
أحمد منصور: لكن لم يكن هناك أي تنسيق بينك وبين السفير قبل ذلك.

سعد الدين الشاذلي: لا.

أحمد منصور: في تحريك القوات.

سعد الدين الشاذلي: لا لا لا لا، أنا.

أحمد منصور: كله تقدير.

سعد الدين الشاذلي: تقدير شخصي.

أحمد منصور: منك للوضع..

سعد الدين الشاذلي: أنا أولاً ما أحبش إن أنا أحرج واحد معايا علشان يتحمل مسؤولية حاجة هو مالوش دعوة بيها وبعدين ثانياً: أنا ما أحبش إن واحد يتدخل في اختصاصاتي، يعني يمكن هو لو قال لي أعمل كده أقول له لأ مالكش دعوة.. مالكش حق إنك أنت تقول لي هذا الكلام، أنا الذي أعمل، عمل، فقلت لمراد غالب ورحنا في الميعاد نقابل بقى مش هنقابل رانهورن بقى، الجنرال (رانهورن) هنقابل ممثل (همرشولد).....

أحمد منصور: اللي هو الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت.

سعد الدين الشاذلي: ممثل.. ممثلة، مندوب في الكونغو، كان واحد يسموه ambassador على وزن ... مثلاً، وكان يعرف مراد غالب عن طريق الأمم المتحدة فرحنا قعدت أنا ومراد غالب دخلنا وانضم إلينا الراجل اللي هو ممثل الأمم المتحدة ده مندوب (همرشولد) و(ريكي) يبقى إحنا الأربعة فقعدنا ضيفونا وقعدوا يتكلموا، اتكلموا في مش عارف أيه.. ذكرى.. ذكريات يتذكروا الذكريات واتمدت الكلمة القعدة نصف ساعة، ساعة ونصف.

أحمد منصور: وموضوع الجلسة؟!

سعد الدين الشاذلي: والموضوع اللي إحنا جايين فيه ما اتفتحش وبعدين بصيت لقيت مراد غالي بأيه.. بيقول طيب نستأذن إحنا بقى ونمشي، بس أنا غمزته قلت له.. قلت له بالعربي بصوت واطي كده –ما أنا قاعد جنبه على طول- قلت له ما اتكلمنا في الموضوع اللي إحنا جايين.. جايين نتكلم عليه، ما قلت لك فترة الكونغو دي كانت بداية دمج الأيه.. العسكرية مع السياسة.

أحمد منصور: نعم.. نعم.. نعم أنت اعتبرت ده درس سياسي كبير لك.

سعد الدين الشاذلي: درس سياسي كبير جداً..

أحمد منصور: أنت تروح لقضية معينة وتقعد عدة ساعات وما تفتحوش الموضوع وتقوم تمشي!!

سعد الدين الشاذلي: وحصلت بعد كده مع السادات، يعني قصة تانية حصلت لما جيت من لندن استدعوني وقعدت مع السادات ساعة ونص نتكلم ومافتحنيش في الموضوع اللي هو جايبني علشانه.

أحمد منصور: نعم، سنأتي لها إن شاء الله، نعم لكن ده كان أول درس تأخذه من..

سعد الدين الشاذلي: ده كان أول درس، أول درس دبلوماسي سياسي يفوت عليَّ، وكان غريب جداً، يعني أنا بقيت قاعد مستغرب أيه الكلام الغث اللي إحنا بنتكلم فيه ده وسايبين الموضوع الرئيسي.

أحمد منصور: لما خرجت ماسألتش مراد غالي؟

سعد الدين الشاذلي: ما أنا.. طبعاً، طبعاً مجرد دا أنا بقيت يعني وإحنا في الأسانسير عايز أتكلم بس خايف ليكون حد بيعمل أو بتاع، فتنِّي ساكت لغاية ما وصلنا تحت وركبنا العربية قلت له: أيه الحكاية؟ إحنا ما تكلمناش في الموضوع، قال لي: يا جدع كبر مخك، كبر مخك الموضوع أكبر منك وأكبر مني، دا موضوع سياسي الحل بتاعه بين جمال عبد الناصر و(همرشولد).

أحمد منصور: مع إن أنت اللي صنعته.

سعد الدين الشاذلي: أنا اللي صنعته.

أحمد منصور: لكن معنى كده إن عبد الناصر.

سعد الدين الشاذلي: زي.. زي ما يكون ساهمت في عمله مثلاً يعني، قال لي دا موضوع أكبر منك وأكبر مني ده موضوع بتاع جمال عبد الناصر شخصياً و(همشولد) إحنا هنبعت نقول لهم حصل كيت وكيت وكيت وهم هيتفقوا وهم هم هيتفقوا.. يتفقوا مع بعض واللي يتفقوا عليه هيبعتوه لنا نعمله، في خلال 3 أيام كان جه قرار بإن مصر قررت سحب الأيه؟

أحمد منصور: قواتها من الكونغو.

سعد الدين الشاذلي: قواتها من الكونغو، لأن شايفة إن السياسة اللي هي أيه ماشية في الكونغو ماهياش سياسة أمم متحدة وسياسة تنفيذ الخطط الاستعمارية ومش عارف والكلام الكبير ده بقى اللي هو بيتقال يعني وانسحبنا من الكونغو.

أحمد منصور: وتعتبر تجربتك في الكونغو تجربة ثرية ويعني تعتبر أول مزيج لك في حياتك العسكرية بالسياسة.

سعد الدين الشاذلي: صحيح.

أحمد منصور: وقمت باجتهاد شخصي منك ولعبت دور سياسي بقواتك العسكرية ووصل الأمر إلى هذه المرحلة التي وصل إليها الأمر.كمحلل عسكري الآن لو طلبت منك أن تقيم تجربة الكونغو في ظل الضغوط العسكرية التي كانت تواجهها مصر بالذات مع عدو كإسرائيل.

سعد الدين الشاذلي: جمال عبد الناصر كان في مرحلة صراع ضد الاستعمار أساساً وضد القوى الداخلية، نجنب القوى الداخلية والصراع ضد الأيه؟ ضد الاستعمار، وسبق إن حصل الهجوم عليه بتاع سنة 56 ولم يحقق هذا الهجوم أهدافه وبعد كده حصل يعني إحنا رحنا سنة 60، 61 حصول ضغوط من أميركا علشان أيه؟ تحتوي النظام المصري وبرضو فشلت في هذا.. في هذا.. 

في هذه المحاولة، فكان جمال عبد الناصر شاعر بقوته، لإن إحنا قلنا المهم بالنتائج، يعني حقيقي في 56 هزيمة عسكرية، 

ولكن طب حققتوا أيه؟ حققتوا أيه سياسياً يعني؟ فكان شاعر بقوته وكان بيمشي فيها، ونقدر نقول إن المكاسب كانت أكثر من الخسائر، أنت قلت يعني هل مصر قوتها تسمح بهذا، لما تيجي تنظر لها نظرة يعني مجردة تقول:لا فعلاً، فعلاً ما عندهاش الإمكانيات لأن دي إمكانيات دولة عظمى، يعني هم حتى بيقول لك أيه؟ جمال عبد الناصر كان عامل لنا مشاكل وهو داخل مصر يقوم يبعت قوات خارج.. خارج مصر على مسافة 5 آلاف كيلو ويبقى لها قوة تأثير، دي عملية يعتبر تحدي للقوى الاستعمارية العالمية اللي موجودة في هذا الوقت طبعاً يعني، علشان كده ماكانوش يسمحوا بقبول هذا الوضع، ولكن ما هو الثمن اللي.. 

اللي جمال عبد الناصر أيه خسره في هذه العملية؟ طبعاً اللي بيجوا يتكلموا على جمال عبد الناصر بيتكلم على 56 ويتكلم على الكونغو، ويتكلم على اليمن، ويتكلم على 67، طيب بالرغم من ذلك كان كل دول يعملوا بالميزانية المحدودة بتاعة مصر، يعني ما كانش بيستدين.

أحمد منصور: لكن كان مصر كان ليها احتياطي ذهب، كان عملتها كانت عملة قوية، كان لها اقتصاد قوي.

سعد الدين الشاذلي: صحيح، ولكن..

أحمد منصور: لكن بدأ يستدين الرئيس عبد الناصر في نهاية الخمسينيات علشان يقوم بهذه الأمور.

سعد الدين الشاذلي: كلام جميل، كلام جميل، عند وفاة جمال عبد الناصر 1970، وليس 60 اللي إحنا كنا فيها بنتكلم فيها دلوقتي أهوه على 60، 61 كانت ديون مصر أقل من 2 مليار دولار.

أحمد منصور: بعض التقارير تقول إنها كانت 18 مليار.

سعد الدين الشاذلي: إطلاقاً، أيام السادات، أنا هأقول لك الأرقام الصحيحة، أيام.. وقت وفاة جمال عبد الناصر كانت أقل من 2 مليار دولار، لو تحسب أنت المصانع والسد العالي اللي اتبنى والكلام ده كله تلاقي ثمنه أكثر من 2 مليار دولار.

أحمد منصور: لكن كان فيه –عفواً سعادة الفريق- كان فيه رصيد ضخم كان للبلد، كان يعني يكفي إن البلد تظل كما كان وضعها بلد اقتصادها قوي، لكن الدخول في موضوع الكونغو، الدخول في موضوع اليمن، الدخول في 67 وما حدث كل ده دخل مصر دوامة الديون التي تعيشها الآن والتي بدأت في عهد عبد الناصر.

سعد الدين الشاذلي: هذا اتهام يوجه إلى خلفاء جمال عبد الناصر أكثر مما يوجه إلى عبد الناصر.

أحمد منصور: هو الذي بدأ.. هو الذي بدأ..

سعد الدين الشاذلي: الله، اللي بدأ إذا كان اللي يجي بعد منه ويلاقيه بدأ خاطئ يُصلح، إنما لما أنا دلوقتي جمال عبد الناصر يموت ومصر عليها أقل من 2 مليار دولار، عندما توفي السادات كانت الديون وصلت إلى 18 مليار، النهارده لما تحسب الديون الداخلية والخارجية والديون الداخلية أحسبها بالدولار لأن الجنيه تقريباً عايم.. عايم تلاقيها حوالي 75 مليار.

أحمد منصور: مليار نعم.

سعد الدين الشاذلي: 75 مليار دين خارجي ودين داخلي، الله إذن لا يمكن إن أنا ألوم وفي الوقت نفسه من سنة 73 ما دخلناش حرب، يبقى الفترة اللي دخلنا فيها 5 حروب إداينا فيها بـ 2 مليار دولار، والفترة اللي إحنا مادخلناش فيها حروب إداينا فيهم بحوالي 70، 75 مليار دولار، فلازم الأيه؟ المناقشة تكون موضوعية وبالأرقام، إنما الكلام المطلق لأ، أنا معلوماتي إن الأرقام اللي بأقولها لك دي صحيحة 100%، اللي ما أقدرش أعرفه احتياطي الذهب 

والاحتياطي البتاع ده في هذا الوقت كان كم، إنما الدراسة الجادة ممكن إنها تجيب لنا الأرقام الاحتياطي كم ونشوف، الاحتياطي كان كم والديون كم، لازم الاتنين ينسجموا مع بعض، إنما ما تحسبش حاجة لوحدها، إنما أنا أعرف أرقام الديون.

أحمد منصور: طيب، في تقييمك لهذا الأمر هل هذا أعطى مصر بُعد خارجي موضوع الكونغو كأول موضوع خارجي لقوات مصرية؟

سعد الدين الشاذلي: مفيش شك.

أحمد منصور: هل أعطى لمصر بُعد خارجي أكبر من حجمها؟

سعد الدين الشاذلي: مفيش شك.

أحمد منصور: أكبر من حجمها؟

سعد الدين الشاذلي: مفيش شك.. مفيش شك، أكبر من حجمها ده يعتبر تقدير الشخص نفسه، يعني أو نقدر نقول بالنسبة لشخص الآخر أدي الحجم الحقيقي، واحد تاني يقول لك إداها الحجم الحقيقي وقوة التأثير على الأحداث التي تجري في القارة السوداء، واحد تاني يقول لك: أكثر.. أكثر من حجمها الطبيعي، يعني مفيش شك، وبعدين لما تيجي تقول لي: طب اتكلفت كم؟ ما اتكلفتش حاجة!! أنا قلت..

أحمد منصور: 50 ألف دولار رجعت منهم بشيء؟

سعد الدين الشاذلي: 50 ألف دولار ما صرفتهمش كلهم، لما رجعت رجعت بجزء منهم، خدت بالك، لأن أنا المصاريف تبع الأمم المتحدة.. تبع الأمم المتحدة، كل حاجة السلاح بتاعي رُحت بيه ورجعت بيه، فيبقى أيه ما خسرناش حاجة، يعني.. يعني لازم نحسب المكاسب والخسائر.

أحمد منصور: في العام 62 أنت رجعت في عام 61 وفي عام 62 اندلعت حرب اليمن حول الانقلابية العسكرية في اليمن ووقفت مصر إلى.. إلى جوار الثوار، ووقفت المملكة العربية السعودية إلى جوار حكم الأئمة، وبدأت حرب اليمن وأرسل عبد الناصر قوات مصرية إلى اليمن، بقيت هناك تقريباً أواخرها إلى العام 1970، في عام 65 أوفدت -سعادتك- إلى اليمن وشاركت لمدة عام أو أكثر قليلاً في حرب اليمن، هل كان من الصواب أن يُرسل عبد الناصر قوات مصرية إلى اليمن بهذه الكثافة للمشاركة في تلك الحرب التي كانت ضد عرب أيضاً؟

نعم...كنّا فقراء..ولكن أثرياء بعزتنا....!!

Osama Hamdy
أرحل بذاكرتي ويرحل جيلي معي ليتذكر أيامًا لا يمكن أن ننساها أبدًا فهى مازالت محفورة في ذاكرتنا ونترجمها حتى الآن عشقًا لهذا البلد وربما لن يفهمها أبدًا هذا الجيل الحالي إن لم يسخر حتى منها! فقد قصَّوا له التاريخ وزيفوه ثم لصقوه له في مخه مشوهًا وهو لم يره أو يعشه فصدقهم سماعًا وآمن بما قالوا وهمًا. أيامًا فرض علينا فيها الغرب مجتمعًا حصارًا اقتصاديًا وذلك لإركاع مصر وكسر أنف زعيمها وإزلال شعبها. لم تكن في بنوكنا دولارات ولم يعترف البنك الدولي يومها بإقتصادنا وإعتبره إقتصادًا هشًا ضعيفًا ورفض حتى إقراضنا تحت الضغط الغربي. كنَّا دولة صغيرة فتية تواجه دُولًا عظمى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا. كنّا فقراء كدولة بمعنى الكلمة ولا نملك حتى القدرة على الإستدانة وكانت مواردنا محدودة جدًا رغم آمالنا العظيمة ورغبتنا الصادقة في النهوض. فقررنا كشعب التضحية بكل شىء لبناء بلدنا وتصنيع جميع احتياجاتنا مهما كلفنا ذلك. كان وابور الكيروسين في كل مطبخ ولمبة الجاز الخافته على إستعداد دائم لإنقطاع الكهرباء المستمر. كانت المكواة الحديدية في كل بيت وكان البقال لا يبيع لنا سوى الجبن الأبيض والحلاوة الطحينية والعسل الأسود والطحينة وبعض انواع السمن المحلى النادر. كان هناك ثلاثة أنواع فقط من الصابون الأول أزرق ويسمى أبو الهول لغسيل الملابس والثاني صنلايت لغسيل الأطباق والثالث نابلسي شاهين للإستحمام. لم نعرف الشامبو او الصابون ذو الرائحة ولا رفاهية العيش فإنقطاع المياة والكهرباء كان حدثًا يوميًا. ورغم ذلك كانت ربات البيوت تُصَّنِع الصابون المحلي في منازلها وتصنع المربات والشربات المركز وتقشط الألبان لتصنيع السمن البلدي وتربي الدواجن. كان الشاى والسكر من الرفاهيات ونحصل عليه ببطاقات التموين مع زيت بذرة القطن بعدد أفراد الاسرة. أوقفنا الإستيراد تمامًا وبدأنا التصنيع. فحين أنتجت المصانع الحربية البوتاجاز كان نوعًا واحدًا في كل منزل وكنا سعداءًا به. وأنتجت شركة النصر للتليفزيونات نوعًا واحدًا فقط فحجزناه وانتظرناه لسنوات. صنعنا سيارة لأول مرة وأطلقنا عليها رمسيس وصنَّعنا الثلاجة إيديال والغسالة النصف آليه لتزداد رفاهية الطبقة الوسطى التى كانت تنمو بإضطراد لتشكل ضمير هذه الأمة وواقعها الجديد. كان عندنا قناعة تامة ونحن نشتري الكستور المصري لتفصيل ملابسنا وكان عندنا عزة ونحن نشتري إنتاجنا من شركه المحلة الكبرى من أفرع صيدناوى وعمر أفندي وشركة بيع المصنوعات المصرية. ورغم كل ذلك طالبنا رئيس الدولة وقتها بربط الأحزمة حتى ننفذ خطتنا الخمسية الاولى والثانية ووقف الشعب يدًا واحدة للتضحية بجيل كامل من أجل أجيالًا قادمة نزرع لها الأمل ليحصدوه. وأنشأنا بسواعدنا مئات المصانع ليعمل بها شبابنا وإفتخرنا ببدلة عمالنا الزرقاء أكثر من ياقاتنا البيضاء. ودارت عجلة الإنتاج والتصنيع في كل مدينة مصرية فكان من الصعب أن يوجد عاطلا بلا عمل. كان هناك قناعة بأن المستقبل أفضل وأجمل وأن الغد أسعد وأبهج. تسلحنا بالتعليم الجيد في مدارس حكومية ممتازة من أستاذة عظام وإنتشرت الوحدات الصحية في كل ركن بمصر توقف المرض والموت المبكر. ورغم إنهيار الكثير من أحلام هذا الجيل العظيم بالهزيمة العسكرية وإحتلال الأرض إلا إن هذا الجيل المضحي رفض بإيباء وكرامة الهزيمة وبدأ الإعمار ثانية وحرب الاستنزاف التي أرهقت عدوه ونالت منه رغم تهجير ثلاثة مدن كاملة مع توقف الملاحة تمامًا في قناة السويس وتلاشي دخلها. ورغم كل ذلك وفي وسط كل هذا الزخم خرج المبدعون في الفن والثقافة والعلم ينشرون فنهم الى كل عالمنا العربي. وأرسل الأزهر البعثات التبشيرية الى كل ركن في افريقيا. وفتحت مدينة البعوث الإسلامية أبوابها لطلبة العالم ليدرسوا في أزهرنا الشريف اللغة العربية والدين الوسطي. وذهب المدرسون والأطباء الى كل مدينة عربية لتعليم أبنائها تحت نظام إعارة محكم تحملت فيه الدولة رواتب المدرسين في الدول الفقيرة مثل الصومال واليمن. كانت الوطنية المصرية وحب البلد في أوج مجدهما وكان تراب هذا البلد أغلى عندنا من ثروات الأرض مجتمعة. وكان شعارنا يد تبني ويد تحمل السلاح. كانت كرامتنا في السماء وكان صوت إذاعتنا يغذو كل بيت عربي وأنشأنا الإذاعات الموجهة بكل لغات الارض. لم نكن نرتدي ملابس اليوم بظاهرها الديني بل كان رداؤنا الأخلاق الحميدة والإحترام المتبادل وكلمة الرجل التي كانت وقتها أضمن وأحكم من أى عقد. كانت هذه مصر العظيمة كما عرفناها وكان هذا جيلنا وجيل أبائنا الكرام. حين قال الرئيس وهو من أبناء جيلنا أن ثلاجته كانت خاوية لسنوات تذكرت هذه الأيام وربما كان حاله وقتها أفضل من الغالبية التى كانت لا تملك ثلاجة في ذلك الوقت واستمرت تبرِّد المياه في القلل القناوي وتضع صنيتها في بلكونة منازلها وتلحمها إذا سربت مياهها. ومرت السنين بتخبطها لنكتشف ان جيلنا وجيل أبائنا قد أضاع مجهوده هباءًا منثورًا حين رأينا جيلًا جديدًا يشكو ولا يعمل يكذب ولا يخجل ويفبرك ولا يعتذر ولا يحترم كبيرًا كان أم صغيرًا. ويستمع الى الأغاني الهابطة وكأنها طرب اصيل ويتمايل لها. يلبس زيًا دينيًا بلا أخلاق ويدعي الفضيلة ولا ينفذها فالكذب والنفاق والنميمة والفضول والتطاول أصبحت من سمات العصر. وضاعت لغتنا العربية الجميلة الى الفرانكو آراب. وأصبح الجشع والطمع والرغبة في الوصول مهما كانت الوسيلة من المسلمات وأصبح المال هدفًا في حد ذاته وليس وسيلة! وتحول الجميع الى سماسرة عقارات وأراضي. تخيل الآن لو أن هذا الجيل قد طُلِب منه ربط الأحزمة كما طلب منا أو الاستغناء عن إستيراد الرفاهيات كما فعلنا او أن يغسل ملابسه كما غسلنا أو أن يشتري ملابسه من الصناعة المصرية فقط كما لبسنا أو أن يصنع صابونه في بيته كما صنعنا أو يكتفي بالفول والجبن والحلاوة كما أكلنا وحمدنا..أو أن يعتبر الشاي رفاهية كما إعتدنا..؟!!!!
نعم كنّا فقراء إلا من الكرامة والعزة فهل تتذكرون ما أتذكر؟ وهل من أمل ان نعود بهذا الجيل الحالي لربع ما كنّا عليه يومًا؟ وماذا ينقصنا لنفعل ذلك؟

مذكرات الرئيس محمد نجيب .. كلاكيت رابع مرة


قراءة فى مذكرات محمد نجيب. بقلم : عمرو صابح 
اللواء محمد نجيب هو أول رئيس لمصر يتم تعيينه من قبل مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 عقب إلغاء النظام الملكى ، وإعلان الجمهورية فى 18 يونيو 1953 ، واللواء محمد نجيب هو الرجل الذى تصدر قيادة الثورة منذ يومها الأول ، وصدرت قرارات الثورة منذ 23 يوليو 1952 حتى نهاية أزمة مارس 1954 بإسمه ، ولكن رغم هذا الدور الذى لعبه محمد نجيب فى الثورة ، إلا انه إنهال على الثورة والضباط الأحرار بأقذع الاتهامات وأحط الشتائم ، كما تبرأ من الثورة وكل سياساتها ، وهاجم جمال عبد الناصر بضراوة ونعته بأقذر الصفات ، خاصة فى كتابه " كنت رئيساً لمصر" الصادر فى عام 1984.

 منذ صدور كتاب " كنت رئيساً لمصر " ، تحول الكتاب للمرجع الرئيسى لكل خصوم ثورة 23 يوليو من الليبراليين و الإخوان و ثكالى وأرامل الملك فاروق ، فالكتاب يضم بين دفتيه نقد بالغ الحدة وشديد العصبية ضد ثورة 23 يوليو من رجل تزعمها فى بدايتها ، وكان واجهة لحكم الضباط. المدهش ان كتاب " كنت رئيساً لمصر " ، ليس أول كتاب يحتوى على مذكرات الرئيس محمد نجيب ، بل هو الكتاب الذى يحتوى على النسخة الثالثة من مذكرات الرئيس محمد نجيب . النسخة الأولى من مذكرات الرئيس محمد نجيب ، صدرت فى عام 1955 بعنوان " مصير مصر "، وتم نشر الكتاب ببريطانيا والولايات المتحدة ، وتمت ترجمته للعربية فى نفس العام ، ولكن النظام الناصري منع نشره فى مصر ، ثم جرت ترجمته وأعيد نشره فى مصر فى ثمانينيات القرن الماضي . اللافت للنظر ان الرئيس محمد نجيب أهدى الطبعة الأولى من هذا الكتاب لرئيس الوزراء العراقى " نورى السعيد " ، والذى كان من أكبر الموالين لبريطانيا فى العالم العربى ، ومن أشد المعادين لجمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو ، وكان يصف مذهبه السياسي بقوله: ( أنا هاشمى الولاء .. إنجليزى السياسة). وفى عام 1975 أصدر الرئيس محمد نجيب النسخة الثانية من مذكراته بعنوان " كلمتى للتاريخ ". وفى عام 1984 صدر كتاب " كنت رئيساً لمصر"، الذى احتوى على أخر تنقيح لمذكرات محمد نجيب.
 من سيطالع النسخ الثلاثة من مذكرات الرئيس نجيب ، سوف يفاجئ باختلافات واضحة وفادحة فى روايات و أراء نجيب ، خاصة بين النسخة الأولى من مذكراته " مصير مصر" ، والنسخة الأخيرة " كنت رئيساً لمصر". سوف أعرض عبر السطور التالية بعض الأمثلة على تناقضات محمد نجيب: - الواقعة الأولى خاصة برأى نجيب فى جمال عبد الناصر. " ذات يوم أحضر عامر أحد أصدقائه معه صاغاً شاباً تذكرت أنى قابلته فى الفالوجة فى فلسطين وأعجبت بشجاعته فى القتال ، واسمه جمال عبد الناصر ، كان قد أصيب خلال المعارك ، وكاد يموت وبمجرد تعافيه رفض أن يعود للقاهرة ، وصمم على العودة لميدان القتال ". ص 21 من كتاب "مصير مصر" مذكرات اللواء محمد نجيب . "خلال شهور الحرب لم يلفت جمال عبد الناصر انتباهى ، لكنى أتذكر أنه كان يحب الظهور ، ويحب ان يضع نفسه فى الصفوف الأولى والدليل على ذلك ما حدث فى الفالوجا . كنا نلتقط صورة تذكارية ففوجئت بضابط صغير يحاول أن يقف فى الصف الأول مع القواد ، وكان هذا الضابط جمال عبد الناصر ولكنى نهرته وطلبت منه العودة لمكانه الطبيعى فى الخلف ، وعرفت عنه بعد ذلك أنه لم يحارب فى عراق المنشية كما أدعى ولكنه ظل طوال المعركة فى خندقه لا يتحرك ". ص81 من كتاب "كنت رئيسا لمصر" مذكرات اللواء محمد نجيب . الواقعة الثانية خاصة برأى محمد نجيب فى قانون الإصلاح الزراعى. " وهل هناك من وسيلة أفضل لرفع معنويات الفلاح وبالتالى ملكاته من تمكينه من حيازة قطعة أرض ، ان الفلاح الذى لا يملك أرضا لا يعدو أن يكون انسانا محطما ، أما الفلاح مالك الأرض فهو رجل حى لا يتردد فى الدفاع عن أرضه ولو جاد بالحياة. والفرق بين الفلاح مالك الأرض والفلاح المعدم هو الفرق بين الإنسان والحيوان الذى يمشي على قدمين . ولا بد لنهضة مصر من رجال . لذا كان قانون الاصلاح الزراعى وسيلتنا لتحويل الفلاح المصري لرجل قادر على بناء وتنمية وطنه. لذا تخلصت من وزارة على ماهر لأصدر القانون الذى غير مسار حياة الفلاح المصري للأفضل ". ص 97 من كتاب "مصير مصر" مذكرات اللواء محمد نجيب. "صدر قانون الاصلاح الزراعى رغم معارضتى ، ونزولا على رأى الأغلبية . فقد كنت مع الضرائب التصاعدية . وكنت أرى اننا سنعلم الفلاح الذى حصل على الأرض بلا مجهود أو تعب ، الكسل والنوم فى العسل .. وكنت أرى ان تطبيق القانون سيفرض علينا إنشاء وزارة جديدة لمباشرة تنفيذه "وزارة الاصلاح الزراعى" وهذا سيكلفنا أعباء مالية وإدارية لا مبرر لتحملها . وكان من رأيي ان وجود الملاك الجدد بجانب الملاك الأصليين سيثير الكثير من المتاعب والصراعات الطبقية. ص 159 من كتاب "كنت رئيساً لمصر" مذكرات اللواء محمد نجيب. 

الواقعة الثالثة خاصة برأى الرئيس محمد نجيب فى جماعة الإخوان المسلمين. " فى 12 فبراير 1954 ، أثناء الاحتفال بالذكرى الأولى لإمضاء اتفاقية السودان، هاجمت مجموعة من الإخوان المسلمين شباب هيئة التحرير فى جامعة القاهرة. وأشعل الإخوان النار فى مكبرات الصوت وعربات البوليس ، وأصابوا اثنا عشر طالبا بجراح ، لم تكن تلك الحادثة الأولى من نوعها ، وقد حذرنا البوليس بأنها لن تكون الأخيرة ، لهذا قررت حل جماعة الإخوان المسلمين ، وأغلقت أماكن اجتماعاتها ، وأمرت بالقبض على كثير من قادة الجماعة ، وكان بينهم "مرشدهم العام" حسن الهضيبي ، وصالح عشماوى محرر (الدعوة) ، وهى الصحيفة الرسمية الأسبوعية الناطقة بلسانهم ". ص122 من كتاب "مصير مصر" مذكرات محمد نجيب. " لم أكن موافقا على حل الإخوان. ولم أكن موافقاً على البيان - الخاص بأسباب حلهم .. وأحسست أن موقفى أصبح فى غاية الحرج .. هل أنا موافق على كل هذا؟ هل أنا رافضه وغير مقتنع به؟ .. أين أنا من كل هذا بالضبط؟ ولم أجد مفرا من أن أقدم استقالتى!". ص 220 من كتاب "كنت رئيسا لمصر" مذكرات محمد نجيب. أكتفى بهذه الأمثلة للدلالة على شخصية الراوى ، وما يحكيه من قصص تتغير بمرور الزمن بل وتتناقض أيضاً ، حتى يظن القارئ ان هناك نجيبان وليس نجيب واحد ، وهذا منطقى لأن مذكرات الرئيس محمد نجيب تم كتابتها على مدى 3 عقود ، وكتبها له 3 صحفيين. فقد صدرت النسخة الأولى من مذكرات الرئيس محمد نجيب فى عام 1955 بعنوان " مصير مصر " ، وقام بصياغة الكتاب الصحفى الإنجليزى " لى وايت . وفى عام 1975 أصدر الرئيس محمد نجيب النسخة الثانية من مذكراته بعنوان " كلمتى للتاريخ " ، وقد صاغه له الضابط الحر والمؤرخ " أحمد حمروش " ، وقد ذكر حمروش فى مذكراته " نسيج العمر " تفاصيل لقاءه بالرئيس محمد نجيب وتسجيله للنسخة الثانية من مذكرات نجيب. وفى عام 1984 صدر كتاب " كنت رئيساً لمصر"، الذى احتوى على أخر تنقيح لمذكرات محمد نجيب ، وقد صاغه له الكاتب الصحفى " عادل حمودة ". وكان ظنى حتى وقت قريب ان كتاب " كنت رئيساً لمصر " هو التنقيح الأخير لمذكرات الرئيس محمد نجيب ، ولكنى وجدت نسخة رابعة من مذكرات الرئيس محمد نجيب ، نشرها الأستاذ " عادل حمودة " فى كتاب بعنوان " الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب " صدر فى عام 1985 عن مؤسسة روز اليوسف ، وكتب الكاتب الصحفى الكبير " صلاح حافظ " مقدمة الكتاب. والمثير للدهشة ان الأستاذ " عادل حمودة " هو من صاغ كتاب " كنت رئيساً لمصر " ، ثم صاغ كتاب " الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب" ، والأكثر غرابة ان فى أخر صفحات كتاب " الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب" ، وتحت عنوان مؤلفات عادل حمودة ، يوجد كتاب " كنت رئيساً لمصر "!! كواحد من مؤلفات عادل حمودة !! ولكن برغم ان الأستاذ عادل حمودة هو كاتب التنقيحين الثالث والرابع من مذكرات الرئيس محمد نجيب ، إلا أن كتاب " الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب" ، يبدو أقل شططاً وحدة عن كتاب " كنت رئيساً لمصر " فى تقييم الرئيس نجيب للرئيس عبد الناصر . فالرئيس نجيب يعترف فيه ان جمال عبد الناصر هو قائد تنظيم الضباط الأحرار ، وان جمال عبد الناصر وعبد الحكيم هما من قاما بضمه للتنظيم ، ويعترف انه لم يكن يعرف أعضاء اللجنة التأسيسية للتنظيم ، ويقر أنه كان يرسل برقيات تأييد وتهنئة للرئيس جمال عبد الناصر فى كل المناسبات الشخصية والقومية طيلة حياة عبد الناصر ، ويؤكد انه يتفق مع الرئيس جمال عبد الناصر فى ضرب الاقطاع و بناء القطاع العام وإصدار القرارات الاشتراكية. بل ان الرئيس نجيب يقول انه الوحيد من رجال الثورة الذى أتيحت له فرصة كتابة مذكراته أكثر من مرة ، مرة وهو رئيس للجمهورية " قدر مصر " ، ومرة بعد خروجه من قصر المرج " كلمتى للتاريخ " ، ومرة وهو فى نهاية العمر " كنت رئيساً لمصر "!! ويعترف الرئيس " محمد نجيب " أنه لم يقبض أى أموال مقابل كتابه " مصير مصر" الصادر فى عام 1955، بينما تقاضى 45 ألف جنيه من مجلة "الحوادث" اللبنانية ، مقابل كتابه " كلمتى للتاريخ " الصادر فى عام 1975 ، وتقاضى 500 جنيه فقط مقابل كتابه "كنت رئيساً لمصر" الصادر فى عام 1984. الحقيقة ان تغيير الرئيس محمد نجيب لرواياته وأراءه لم يقتصر على ذلك ، بل رصد الكاتب والمؤرخ " صلاح عيسى " فى كتابه " مثقفون وعسكر " فى فصل " حرب المذكرات السياسية فى الفكر العربى" ، اختلافات فى الطبعة المصرية لمذكرات نجيب التى صدرت بعنوان " كلمتى للتاريخ "عن الطبعة اللبنانية لنفس الكتاب ، شملت فقرات محذوفة ، وأخرى أعيد صياغتها ، وقام الأستاذ صلاح عيسى برصد تلك الاختلافات ، وختم كلامه عن كتاب " كلمتى للتاريخ " بأنه جعل من الخونة أبطالاً ومن الأبطال خونة. نصل الأن إلى التنقيح قبل الأخير لمذكرات الرئيس محمد نجيب ، كتاب " كنت رئيساً لمصر" ، الذى يمثل أيقونة لكل خصوم ثورة 23 يوليو ، فهوالكتاب المقدس لدى الليبراليين ، والإخوان المسلمين ،وثكالى وأرامل الملك فاروق الأول والأخير بإذن الله. على إمتداد صفحات الكتاب الضخم 420 صفحة ، يؤكد الرئيس محمد نجيب أنه كان مجرد واجهة للثورة ، وليس صاحب قرار فى أى شئ ، فهو ضد خروج يوسف صديق وعبد المنعم أمين من مجلس قيادة الثورة ، وضد إعدام العاملين خميس والبقرى ، وضد قانون الإصلاح الزراعى ، وضد قرار إلغاء الدستور ، وضد قرار حل الأحزاب ، وضد تعيين عبد الحكيم عامر قائداً للجيش ، وضد إعلان الجمهورية فى هذا التوقيت ، وضد تعيينه رئيساً للجمهورية بدون استفتاء ، وضد حل جماعة الإخوان المسلمين !! كل تلك القرارات صدرت خلال رئاسة محمد نجيب وعليها توقيعه ، ولكنه فى التنقيح الثالث لمذكراته " كنت رئيساً لمصر يؤكد رفضه لها رغم توقيعه عليها!!! بنص تلك الشهادة للرئيس محًمد نجيب يكون هو من وصف نفسه بكونه مجرد بصمجى ، بلا شخصية ، يقبل صدور القرارات بإسمه رغم رفضه لها ، وهؤ بذلك يؤكد وجهة النظر التى تراه مجرد واجهة للثورة . رغم تلك الاعترافات للرئيس محمد نجيب ، إلا أنه يصر على كونه قائد الثورة وسبب نجاحها ، بل ان عنوان التنقيح قبل الأخير لمذكراته نفسها ، يوحى بأنه لا يصدق أنه كان رئيساً لمصر فى يوم ما. على إمتداد صفحات كتاب " كنت رئيساً لمصر " ، يبدو الرئيس نجيب شديد التعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين ، ومدافعاً عن كل تصرفاتها ، بل يصف محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر فى المنشية فى أكتوبر 1954 بالتمثيلية المرتبة مسبقاً بمعرفة عبد الناصر وأجهزته الأمنية. خلال التحقيقات مع قادة جماعة الإخوان المسلمين بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954 ، اعترف كل قادة الجماعة بما فيهم قادة التنظيم الخاص المسلح للجماعة بالتنسيق مع الرئيس محمد نجيب منذ أبريل 1954 من أجل اغتيال جمال عبد الناصر ، وكان دور الرئيس نجيب بعد اغتيال عبد الناصر يتمثل فى سيطرته على الجيش بعد قتل عبد الناصر ، وعودته لتسلم مقاليد السلطة الحقيقية. ولكن يبدو ان علاقة الرئيس نجيب بجماعة الإخوان المسلمين ، كانت أعمق من ذلك ، وترجع لزمن بعيد ، فقد كشفت الكاتبة الصحفية " إيناس مرشد " فى عدد مجلة الإذاعة والتليفزيون ، الصادر فى 18 مارس 2017 ، عن خفايا علاقة الرئيس ” محمد نجيب ” بجماعة الإخوان المسلمين ، عبر نشر 3 خطابات بخط يد ” محمد نجيب ” يتم نشرها للمرة الأولى . كتب محمد نجيب فى خطاباته الثلاثة شهادته عن كونه واحد من مؤسسى جماعة الإخوان ، ومن المشاركين فى إختيار شارتها وشعارها ، ومن المعجبين بإقرارها نظام الشورى بين أعضاءها ، ومن الساعين لنقل مقرها من الإسماعيلية إلى القاهرة لتكون فى قلب الأحداث من أجل تحقيق الهدف الأكبر بإقامة دولة الخلافة . جاءت تلك الشهادة الخطيرة فى 3 خطابات أرسلها محمد نجيب لصديقه ” محمد أبو خليل ” وكيل وزارة المعارف العمومية بالشرقية ، وعضو جماعة الإخوان المسلمين عن وقائع 3 اجتماعات حضرها محمد نجيب للتنظيم الإخوانى فى بداية تأسيسه ، وبتواجد قادة التنظيم وعلى رأسهم مؤسس جماعة الإخوان ” حسن البنا “. الخطاب الأول بتاريخ 15 ديسمبر 1928 وفيه يعبر محمد نجيب عن سعادته لرؤية صديقه محمد أبو خليل فى اجتماع التنظيم الإخوانى. الخطاب الثانى بتاريخ 1 يناير 1929 ، وقد غاب عنه محمد أبو خليل ، وفيه يروى نجيب لصديقه ما دار فى الاجتماع من مناقشات لإختيار شعار وشارة جماعة الإخوان ، والنقاش حول إقرار مبدأ الشورى داخل الجماعة. الخطاب الثالث بتاريخ 30 يناير 1929 ، ولم يحضره محمد أبو خليل ، وفيه يحكى له محمد نجيب تفاصيل ما دار عن سعى قادة التنظيم الإخوانى لنقل مقرهم للقاهرة من أجل تحقيق هدف الجماعة فى إقامة الخلافة فى مصر ، وأن يكون الملك فؤاد هو خليفة المسلمين!!!. يفتح هذا السبق الصحفى ملف محمد نجيب مجدداً ، فالرجل الذى اختاره الضباط الأحرار كواجهة لثورتهم ، والذى انقلب عليهم فيما بعد ، وخاض ضدهم صراعاً مريراً على السلطة ، متحالفاً خلاله مع الوفديين والإخوان والشيوعيين ، وانتهى به الحال مهزوماً ثم محدد الإقامة فى قصر زينب الوكيل بالمرج ، كان من مؤسسى جماعة الإخوان المسلمين ،ولعل هذا يفسر سر نقمته على ثورة 23 يوليو ، وسعيه لتشويهها فى مذكراته. يرى البعض ان المعاملة القاسية للرئيس محمد نجيب عقب اعفاءه من منصبه فى 14 نوفمبر 1954 ، و تحديد إقامته فى قصر زينب الوكيل بالمرج ، كانت هى سبب نقمته البالغة على ثورة 23 يوليو ، ولكن اللواء حسن طلعت مدير المباحث العامة الأسبق ، يقدم رؤية أخرى لحقيقة علاقة محمد نجيب بجمال عبد الناصر خلال سنوات إقامته بقصر زينب الوكيل بالمرج. يقول اللواء حسن طلعت فى حوار صحفى مع الكاتب عبد الله إمام ، انه كان مشرفاً بنفسه على تلبية كل طلبات الرئيس محمد نجيب خلال إقامته بقصر زينب الوكيل بالمرج ، وان الرئيس نجيب طلب أكثر من مرة أن يتم تسديد ديونه ، وزيادة معاشه الشهرى ، وتغيير سيارته ، وقد وافق الرئيس عبد الناصر على تنفيذ كل طلباته. وبخصوص قصر زينب الوكيل، يؤكد اللواء حسن طلعت ان القصر كان مؤثث بأثاث فاخر ، ويحتوى على حديقة كبيرة ، وظل محتفظاً بحالته الجيدة حتى وفاة زوجة الرئيس محمد نجيب فى ديسمبر 1970 ، أى بعد وفاة الرئيس عبد الناصر بثلاثة شهور. دخل الرئيس نجيب عقب وفاة زوجته فى نوبة اكتئاب ، وأدمن احتساء الخمور ، وأهمل رعاية حديقة القصر ، وملأ القصر بالقطط والكلاب ، كما بدد أثاثه الفاخر. تلك هى شهادة اللواء حسن طلعت عن علاقة نجيب بالرئيس عبد الناصر فى الفترة من 1954 حتى 1970. وهى شهادة أكدها محمد رياض أحد الضباط الأحرار المقربين من الرئيس محمد نجيب ، والذى عمل كسكرتير لنجيب أثناء توليه رئاسة الجمهورية. يبدو الرئيس محمد نجيب فى كتابه " كنت رئيساً لمصر "، متألماً من الطريقة القاسية التى جرى التعامل بها معه خلال العدوان الثلاثى عام 1956 ، ويؤكد انه كان يريد العودة للجيش خلال العدوان كمقاتل ضد الغزاة!! ، ولكن جمال عبد الناصر عامله بقسوة وأهانه عبر رجاله ، وقام بنقله للصعيد طوال فترة الحرب. فى ذكرى مرور مائتى عام على الحملة الفرنسية على مصر ، كلفت الحكومة الفرنسية الكاتب والمؤرخ الفرنسى " روبير سوليه " بتأليف كتاب عن العلاقات المصرية الفرنسية خلال الفترة ما بين القرنين السادس عشر والعشرين ، وقد صدر الكتاب بعنوان " مصر : ولع فرنسى ". فى عام 1999 ترجم الأستاذ لطيف فرج الكتاب للغة العربية ، وصدر الكتاب ضمن سلسلة كتب مهرجان القراءة للجميع ، فى صفحة 312 من الطبعة العربية ، يروى الكاتب تفاصيل مفاوضات الحكومة الفرنسية مع الرئيس محمد نجيب عبر ضابط مخابرات فرنسي اسمه " جاك بييت " حضر لمصر سراً ،عقب تأميم الرئيس عبد الناصر لشركة قناة السويس ، موفداً من رئيس الوزراء الفرنسي " جى موليه " للتفاوض مع محمد نجيب على الحلول محل جمال عبد الناصر ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية لا تعادى الغرب ، وتهيئ الرأى العام لإجراء مفاوضات للسلام مع الإسرائيليين ، وحسب شهادة جاك بييت ، وافق نجيب على تلك المقترحات ، ولكنه اشترط موافقة البريطانيين أيضاً على توليه الحكم بعد الإطاحة بجمال عبد الناصر. أعتقد أنه أصبح مفهوماً الأن لماذا جرى التعامل مع محمد نجيب بقسوة عقب بدء العدوان الثلاثى على مصر. من سيقوم بمراجعة النسخ الأربعة لمذكرات الرئيس الراحل " محمد نجيب " سوف يتأكد من وجود اختلافات واضحة فى شهادته على التاريخ فى كل نسخة ، مما يلقى بظلال كثيفة على مصداقية تلك الشهادة التى صدرت على مدار 30 سنة ، وصاغها له ثلاثة من الصحفيين ، والمأساة ان كتاب " كنت رئيساً لمصر " الذى يحتوى على التنقيح الثالث لمذكرات الرئيس نجيب ، تحول إلى حائط المبكى لكل خصوم جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو 1952 ، ولو راجع هؤلاء المصابون بارتكاريا جمال عبد الناصر ، التنقيحات الثلاثة الأخرى لمذكرات الرئيس نجيب لأدركوا ان شهادته مجروحة ، وتختلف من كتاب لأخر. لم يكن الرئيس محمد نجيب ضحية لثورة 23 يوليو ، بل كان ساعياً للإستحواذ على السلطة بالتحالف مع كل خصوم الثورة ، كما دخل فى خصومه مع معظم رفاقه من قادة الثورة ، وقد أجمع هؤلاء فى مذكراتهم وشهاداتهم للتاريخ على محدودية دوره فى الثورة ، ومحاولته تصفية الثورة ، وتسليم السلطة لأعمدة النظام الذى أطاح به الثوار فى 23 يوليو 1952 .

نصف قرن من التحولات فى مصر الآثار والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية

نصف قرن من التحولات فى مصر الآثار والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية الأستاذ الدكتور / فوزى عبد الرحمن (1)                          ...