Showing posts with label عبد الناصر ، السنيما ، الانفتاح الاقتصادي. Show all posts
Showing posts with label عبد الناصر ، السنيما ، الانفتاح الاقتصادي. Show all posts

رصد سنيمائي لتغيرات مصر بعد ثورة ١٩٥٢

( منقول عن صفحة  الناصر جمال )
منذ سنوات بعيدة فى أواخر الثمانينات، وبينما كنت جالسا مع عمى  الطبيب الراحل رحمه الله فى منزله بإحدى مدن الصعيد، أعلن  التليفزيون المصرى عن عرض فيلم«أم العروسة» ساعتها لاحظت اهتمام عمى الشديد بمتابعة الفيلم وشروده مع تتابع أحداثه على الشاشة، وسألته وقتها عن سر اهتمامه ومتابعته لهذا الفيلم بكل حواسه؟ فأجابنى إجابة لا أنساها: «يا ابنى انه الحنين لزمن عبد الناصر.. إنه الحنين لتلك السنوات حنين لمصر وناسها وأهلها، ولم أر أصدق من هذا الفيلم فى تجسيد مجتمعنا المصرى بكل تفاصيله فى زمن الخمسينيات والستينيات وحتى حدوث النكسة التى كانت إيذانا بعهد جديد وخريطة مجتمعية جديدة».

أم العروسة.. وزمن عبد الناصر
شاهدت فيلم «أم العروسة» كثيرا بعد ذلك، وكلما تابعته أتذكر عمى الراحل  وكلماته، وأشرد بخيالى إلى تلك الأيام التى جرت فيها أحداث هذا الفيلم.

أنتج الفيلم عام ١٩٦٣، وهو من تاليف عبد الحميد جودة السحّار واخراج عاطف سالم، وبطولة سميرة أحمد وتحية كاريوكا وعماد حمدى ويوسف شعبان وحسن يوسف ومديحة سالم وعدلى كاسب وملك الجمل واسكندر منسى وسليمان الجندى. ويحكى قصة أسرة الموظف حسين مرزوق، الذي يعمل فى وظيفة أمين عهدة بإحدى الشركات، والذى يتقدم عريس ليخطب ابنته الكبرى أحلام.

وما بين الخطوبة والزفاف تجرى أحداث الفيلم معبرة تماما عن مصر الستينيات، فنحن إزاء رصد حى وحقيقى لواقع أسرة مصرية متوسطة كانت تعيش فى الستينات.. أسرة كبيرة العدد عائلها موظف بسيط، ومع ذلك تستطيع الحياة بشكل لائق.. فحسين أفندى رب الأسرة يرتدى دائما بدلة و رابطة عنق، ويرتدى ابنه الأكبر بدلة أيضا، بينما ترتدى بنتاه الكبيرتان «أحلام ونبيلة» وزوجته زينب فساتين أنيقة.

تنتظر الأسرة العلاوة الدورية التى ستضاف الى مرتب حسين افندى وقيمتها ثلاثة جنيهات وثمانية وأربعين قرشا، ويشعر كل أفرادها بالفرح والاحتفال بعد أن قررت الحكومة صرف العلاوة، ويطلب كل واحد من الابناء طلبا من والده بمناسبة  هذه العلاوة.. فهذا يطلب بدلة وحذاء وتلك تطلب فستانا. 

الابن مراد موهوب فى عزف الكمنجة ويشارك دائما بعزفه فى الحفلات المدرسية، ونفهم من ذلك أن هناك مسابقات واحتفالات فنية دائمة في المدرسة، وأن هناك اهتماما خاصا فى المدارس بتنمية المواهب الفنية.

اثاث الشقة بسيط لكنه جيد ومتين.. الكراسى والأسّرة وغرف النوم والاستقبال  كلها تشى بالبساطة والمتانة، وتنظيم وترتيب البيت يدل على ذوق جميل كان شائعا بكل تأكيد فى ستينات القرن الماضى، بالإضافة إلى بساطة الأجهزة الكهربائية الموجودة بالشقة. غرفة نوم العروسة فى الفيلم بمائة جنيه مصرى، وصاحب الورشة التى تقوم بصناعة هذه الغرف رجل أنيق يرتدى بدلة و رابطة عنق.

ويمكن القول هنا إن أسرة حسين مرزوق ونسيبه مصطفى علوان، والد جلال العريس الذى تقدم للزواج من أحلام ، هما نموذجان واضحان وصريحان للطبقة الوسطى فى مصر الستينات.

على أن أهم ما يقدمه فيلم ام العروسة هو العلاقة بين المسلمين والاقباط  التى جاءت فى أحداث الفيلم بعفوية وتلقائية من خلال صداقة حسين أفندى بزميله فى العمل مرقص أفندى الصعيدى النبيل، أقرب زملائه اليه، فهو الذى يكلفه بالسؤال عن خطيب ابنته وهو الذى يطلب منه أن يستعجل له صرف استبدال المعاش، لكي يفي بالتزامات فرح ابنته، و حين يتأخر صرف استبدال المعاش ويختلس حسين أفندى مبلغ مائة وخمسين جنيها من عهدته، لايجد سوى مرقص أفندى كى يُسر له بالأمر الخطير، فيترك له خطابا يقول يعترف له فيه بالاختلاس لكي يتمم فرح ابنته. وتكون النهاية السعيدة جدا ومشهد «الماستر سين» فى نهاية أحداث الفيلم، حين يأتي ضابط للسؤال عن حسين أثناء حفل زفاف ابنته أحلام، فيوشك على الانهيار معتقدا أنه تم اكتشاف أمره  ويخبر زوجته وينزل من بيته فيفاجىء بعدم وجود الضابط ويجد أمامه مرقص أفندى الذى جاء لحضور الفرح، والذى يلومه قائلا على ما قام به من اختلاس  لعهدته، لكنه يطمئنه بأنه سددت المبلغ الذي أختلسه من جيبه لحين حصول حسين أفندي على بدل استبدال المعاش، وهنا يحتضن حسين مرقص ويقبله، فقد انقذ حياته وأولاده من الضياع، في رسالة رائعة وعفوية دون تكلف أو تصنع  عن الوحدة الوطنية، وهكذا كانت مصر فى زمن الستينات.

الإنفتاح .. وأهل  القمة
فإذا جاءت السبعينات وتولى أمر مصر رئيسها الراحل أنور السادات، نهج الرجل نهجا مختلفا تماما فيما يتعلق بالسياسة الإقتصادية، فقد انتهج السادات سياسة الانفتاح الاقتصادى، والسوق الحر، وانتقل المجتمع المصرى من سياسة اقتصادية تعظّم دور القطاع العام وتحافظ على الموظف الحكومي وتكفل له حياة كريمة، إلى نهج مختلف تماما، هو تعظيم العمل الحر، وفتح المجال تماما أمام التجار والسماسرة وأرباب العمل الخاص، وتجاهل القطاع العام ودوره والتضييق عليه، وبالتالى على موظفي الحكومة. وكان طبيعيا أن يبدأ الهرم الإجتماعى فى الإنقلاب، إذ صعدت تلك الطبقات الطفيلية التى انتهجت السرقة والتهليب والسمسرة على حساب الطبقة الوسطى، وهو الواقع الذى جسده بصدق  فيلم «أهل القمة » عن قصة نجيب محفوظ وإخراج على بدرخان وبطولة سعاد حسنى ونور الشريف وعزت العلايلى وعمر الحريرى وعايدة رياض، وأنتج عام ١٩٨١ فى أواخر أيام السادات. وقد اعترضت الرقابة على الفيلم ورفضته فى البداية بحجة أنه يهاجم سياسات السادات الإقتصادية بوضوح تام، فلجأ صانعوه للسادات شخصيا فوافق عليه باستثناء مشهد واحد تم حذفه.

يحكى الفيلم قصة لص الأتوبيسات «النشّال» زعتر النورى الذى يطارده الضابط الشريف محمد فوزي ويقبض عليه بتهمة السرقة، فيدخل السجن ثم يخرج وقد تغيرت أحوال البلد تماما، حيث فُتح الباب تماما للتجارة والتهريب بدون ضوابط ولا رقابة حقيقية، ويلتقى زعتر برجل الاعمال محمد زغلول الذى يعمل فى التهريب والسوق السوداء، ويصبح زعتر تاجرا ورجل أعمال كبيرا يعمل ويتاجر فى كل شىء، ويصبح مليونيرا كبيرا ويتعرف على سهام ابنة شقيقة الضابط محمد التى تقيم وأمها معه وتعانيان أشد المعاناة.

يتقدم زعتر للزواج من سهام، التى كانت قد خطبت من قبل لرجل الأعمال المهرب زغلول بيه الذى خدع خالها الضابط ثم اكتشف حقيقته وأنه لا يقل لصوصية عن زعتر، وهنا تبدو عبقرية الفيلم الذى يجعل سهام الطيبة تقع على موائد اللئام.. زغلول ثم زعتر، وما يمثلانه من واقع جديد ومعايير مختلفة، و رغم اعتراض الضابط محمد على زواج ابنة شقيقته من زعتر ووقوفه أمام هذا الزواج إلا أن سهام تحت وطأة الظروف الصعبة تقبل بالزواج من زعتر النورى، ويتم نقل  خالها الضابط الشريف إلى أسيوط، ليخلو الأمر تماما للمهربين واللصوص من أمثال زغلول وزعتر، وتبدو سهام التى ربما ترمز لمصر فى الفيلم، مستسلمة تماما للوقوع فى فخ زعتر .
الضابط محمد فوزى هنا يمثل بلا شك الطبقة الوسطى التى تعانى وتئن تحت وطأة أوضاعها وظروفها الجديدة، والتى تفقد كل يوم أرضا جديدة فى مواجهة تلك الطبقات الطفيلية الصاعدة ،غير أن بعض نماذجها من أمثال الضابط محمد  ظلت قابضة على مبادئها، تحاول ألا تسقط، وألا تفقد ما تعلمته من قيم ومثل

البيه البواب .. ومنطق عصر مبارك
لكن تلك الطبقة الوسطى التى كانت فى عز تألقها وحضورها المجتمعى الطاغى ممثلة فى أسرتى حسين مرزوق ومصطفى علوان فى« أم العروسة»، والتى لم تكن قد استسلمت تماما للواقع الجديد ممثلة فى الضابط محمد فوزى فى «أهل القمة»، سرعان ما ترفع الراية البيضاء تماما فى فيلم «البيه البواب» الذى أنتج عام ١٩٨٧، فى عصر مبارك الذى جاء ليكمل ذلك الإنقلاب الرهيب فى الهرم الإجتماعى المصرى، والذى أعلن الموت الإكلينيكى للطبقة الوسطى، بسياسات فتحت الطريق للقضاء تماما على القطاع العام والطبقة الوسطى من خلال الخصخصة، ومساندة رجال الأعمال ورأس المال وحيتان السوق الذين قفزوا على الاقتصاد المصرى والقادمين من بيئات مختلفة لكنهم فهموا قوانين اللعبة جيدا، وقدم لهم نظام مبارك كل الدعم، دونما أى اعتبار  لمن لم تسعفه مبادؤه وقيمه على الإنجراف فى الواقع الجديد.

فيلم «البيه البواب» كتب قصته العبقرى يوسف جوهر وأخرجه حسن إبراهيم وقام ببطولته أحمد زكى وصفية العمرى وفؤاد المهندس ورجاء الجداوى ومحمد رضا وزهرة العلا ووائل نور، إلى جانب مهجة عبد الرحمن، التى قامت بدور زينب زوجة عبد السميع البواب. فى هذا الفيلم نحن أمام عبد السميع الصعيدى المسكين الذى جاء من بلده بالصعيد بحثا عن فرصة عمل، فيتعرض بعد نزوله محطة مصر لعملية نصب وسرقة تفتح عينه على عالم جديد، وعلى واقع مختلف فهمه بسرعة شديدة وبدأ يتعامل معه بنفس منطقه بعد أن وجد فرصة للعمل كبواب.. الفهلوة والهمبكة والتهليب والغش.

ويستطيع عبد السميع من خلال عمله كبواب أن يصبح سمسارا فى الشقق المفروشة، ثم واحدا من ملاك الأراضى والابراج السكنية ومليونيرا كبيرا، وهنا  نقف أمام تلك المفارقة الجديدة من خلال شخصيتى فرحات الموظف الكبير وزوجته فوزية وهما من سكان العمارة التى كان يحرسها عبد السميع، ففى بداية عمله كبواب كانا يتعاملان معه بتأفف واحتقار شديدين، غير أن ظروف خروج فرحات على المعاش وضغط الواقع الصعب عليه وعجزه عن مساعدة ابنته فى اتمام الزواج، والصعود الطاغى لعبد السميع، يجعل فرحات وزوجته يستسلمان لرغبة عبد السميع فى تأجير شقتهما مفروشة، وانتقالهما مع ابنتهما وابنهما للسكن بجوار عبد السميع فوق السطوح، ثم قبول فرحات للعمل ككاتب ومساعد لعبد السميع، متنازلا عن كل ثوابته، ومستكينا لعبد السميع وتابعا ذليلا له.

ثم ،وفى خط مواز، نحن أمام الهام هانم التى تبدو سيدة أرستقراطية تزوجت عرفيا واحدا من رجال أعمال ذلك الزمان ويطلقها فتلجأ لنصب شباكها حول عبد السميع وتتزوجه لتظفر فى النهاية بثروته لنكتشف في النهاية أنها على علاقة بالنصاب الذي نصب على عبد السميع في محطة القطار.

إنه انقلاب المعايير الخطير، الذي زلزل ثوابت المجتمع أمام طوفان منطق «اخطف واجرى»، و «اللى تغلب به العب به» و «أنا ومن بعدى الطوفان».. تلك القيم شديدة السلبية التى وسمت عصر مبارك وأدت فى النهاية إلى الثورة عليه.

_________________________________________
محمود مطر

عن مبارك

بوست لعبد الخالق فاروق في الفيس بوك هذا جزء صغير جدا جدا جدا جدا من فساد ونهب مبارك وأسرته للمال العام  وما لدى فوق ما تتصوره  عبد الخالق فا...