في ذكرى ميلاد راشيل كوري: عندما يتلعثم الضمير الأمريكي أمام دماء أبنائه
يطل علينا العاشر من أبريل حاملاً معه ذكرى ميلاد راشيل كوري، تلك الشابة التي لم تكن مجرد عابرة سبيل في تاريخ النضال الإنساني، بل كانت صرخة مدوية في وجه الظلم. في مثل هذا اليوم، ولدت راشيل لتثبت أن المبادئ ليست شعارات تُرفع في المحافل الدولية، بل هي مواقف تُدفع ثمنها من الوريد. وفي هذه الذكرى، لا نستحضر فقط مأساة دهسها تحت جرافة عسكرية في رفح عام 2003، بل نفتح ملفاً شائكاً حول "ازدواجية المعايير" الأمريكية في حماية مواطنيها، ونربطها بجرح قديم لم يندمل بعد، وهو حادثة السفينة يو إس إس ليبرتي.
راشيل كوري.. أيقونة الضمير العالمي
ولدت راشيل في أولمبيا بواشنطن، ونشأت في مجتمع يؤمن بالحقوق والحريات، لكنها حين كبرت، رأت أن هذه الحريات تتوقف عند حدود مصالح بلدها السياسية. ذهبت إلى غزة، ليس بحثاً عن مغامرة، بل لتكون درعاً بشرياً أمام آلة الهدم التي كانت تقتلع بيوت الفلسطينيين من جذورها. وقفت راشيل، الفتاة ذات الثلاثة وعشرين ربيعاً، ببرود أعصاب مذهل أمام جرافة عملاقة، ظناً منها أن جنسيتها الأمريكية وسترتها الفسفورية ستشكلان حصانة تمنع القاتل من التقدم.
لكن الواقع كان قسياً؛ تقدمت الجرافة، وسقطت راشيل، وغابت شمس حياتها تحت ركام التراب، بينما وقفت واشنطن موقف المتفرج. هذا الخذلان الرسمي لم يكن استثناءً في التاريخ الأمريكي، بل هو نهج يتكرر عندما يكون الجاني طرفاً استراتيجياً لا تمكن محاسبته. هنا، تصبح دماء المواطن الأمريكي مجرد "خسائر جانبية" في حسابات الصفقات الكبرى.
السفينة ليبرتي: عندما قُصف العلم الأمريكي بصمت
بالعودة إلى يونيو 1967، نجد فصلاً آخر من فصول التستر الأمريكي على دماء الأبناء. السفينة USS Liberty، التي كانت تقوم بمهام استخباراتية في عرض البحر المتوسط، تعرضت لهجوم وحشي ومنسق من القوات الجوية والبحرية الإسرائيلية. قُتل 34 بحاراً وأُصيب العشرات، في حادثة لم تكن "خطأً" بأي معيار عسكري، بل كانت استهدافاً مباشراً لسفينة ترفع العلم الأمريكي بوضوح في وضح النهار.
الرابط بين راشيل وليبرتي يكمن في "رد الفعل". في كلتا الحالتين، سارعت الإدارات الأمريكية إلى قبول رواية "الخطأ غير المقصود" وإغلاق الملفات بسرعة قياسية. لقد ضحت أمريكا بحقوق بحارتها في عام 67 كما ضحت بحق راشيل في 2003، لتؤكد للعالم أن شعار "حماية المواطن الأمريكي" يسقط فوراً عندما يتعارض مع التوازنات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
التستر السياسي وضريبة الموقع
إن ما يجمع بين قصتي راشيل كوري والسفينة ليبرتي هو سياسة "التستر العمد" التي تنتهجها واشنطن. يدرك المتابعون أن الولايات المتحدة تمتلك من الأدوات ما يمكنها من انتزاع حق أصغر مواطنيها من أي مكان في العالم، لكنها في هذه الحالات تحديداً، اختارت دور "الأعمى" الذي لا يرى الأدلة، و"الأصم" الذي لا يسمع صرخات الاستغاثة. هذا الموقف يبعث برسالة خطيرة مفادها أن المواطن الأمريكي قد يكون "قرباناً" يُقدم لإرضاء الحلفاء.
في حالة راشيل، لم تكن المحاكم الأمريكية عادلة، وفي حالة ليبرتي، تم ترهيب الناجين لإسكاتهم. هذا التشابه المذهل في التعاطي الرسمي يوضح أن "الدولة العميقة" في أمريكا تضع مصلحة التحالفات فوق كرامة الفرد، مما يجعل ذكرى ميلاد راشيل مناسبة ليس فقط للبكاء، بل للمساءلة الأخلاقية لدولة تدعي قيادة العالم الحر.
ذكرى حية في نفوس الأحرار
رغم محاولات المحو والتهميش، تظل راشيل كوري حية في الوجدان العربي والعالمي. العرب لا ينظرون إليها كأجنبية تدخلت فيما لا يعنيها، بل كبطلة ضحت بحياتها من أجل عدالة قضيتهم. في رفح، وفي كل مدينة فلسطينية، اسم راشيل محفور على الجدران وفي القلوب. إنها تذكرهم بأن الضمير الإنساني لا يزال ينبض، وأن هناك من هو مستعد للموت من أجل جارٍ لا يعرفه، ومن أجل حق يُراد له أن يضيع.
أما بالنسبة للمدافعين عن الحرية حول العالم، فإن راشيل تمثل "البوصلة". هي من ذكرت الجميع بأن الصراع ليس بين أديان أو أعراق، بل بين ظالم ومظلوم. إن بقاء ذكرى راشيل حية حتى يومنا هذا هو أكبر رد على محاولات التستر الرسمي؛ فالشعوب تملك ذاكرة أقوى من ملفات المخابرات، والحقيقة التي روتها دماء راشيل في غزة ودماء بحارة ليبرتي في المتوسط، تظل شمساً لا تغيب بقرار سياسي.
الخاتمة: راشيل كوري.. الميلاد المستمر
في ذكرى ميلادك يا راشيل، ندرك أنكِ لم تموتي حقاً. لقد ولدتِ من جديد في كل شاب وشابة يرفضون الظلم، وفي كل صوت يرتفع للمطالبة بحقوق الإنسان بعيداً عن حسابات الربح والخسارة. إن قصتكِ وقصة ليبرتي ستظلان شاهداً تاريخياً على أن الشعوب هي التي تخلد أبطالها، بينما الحكومات قد تبيع أبناءها في سوق النخاسة السياسية.
ستظلين يا راشيل تلك الفتاة الجميلة بقلبها الجسور، التي علمتنا أن "الإنسانية هي المواطنة الحقيقية". وفي العاشر من أبريل، نجدد العهد بأن نذكر اسمكِ، ونحكي قصتكِ، ونربطها بكل مظلوم خذلته السياسة وانتصر له التاريخ. ميلادك هو ميلاد الأمل في عالم أكثر عدلاً، عالم لا يُسحق فيه الإنسان تحت عجلات المصالح.

Comments