يمكن تتبّع العقلية التي حكمت نشأة الولايات المتحدة وتحوّلاتها اللاحقة بوصفها مسارًا تاريخيًا متصاعدًا، لا سلسلة وقائع متفرقة. فالتاريخ هنا لا يعمل بمنطق القطيعة، بل بمنطق التطوّر الوظيفي للفكرة ذاتها مع تغيّر السياقات والأدوات.
نشأت الولايات المتحدة داخل إطار استعماري استيطاني، لم ينظر إلى القارة الجديدة بوصفها فضاءً مأهولًا بحقوق تاريخية، بل بوصفها موردًا مفتوحًا ينتظر من يُحسن السيطرة عليه. في هذا الإطار، لم يُعترف بالشعوب الأصلية باعتبارها أصحاب أرض، لأن مفهوم الملكية ذاته كان مشروطًا بالقدرة على الاستغلال الاقتصادي والتنظيم السياسي وفق النموذج الأوروبي. هكذا تحوّل الوجود البشري للهنود الحمر من حقيقة تاريخية إلى “عقبة”، والعقبة في منطق التوسّع ليست موضوع تفاوض أخلاقي، بل مسألة إزاحة.
ومع اكتمال السيطرة الجغرافية، لم تختفِ هذه العقلية، بل انتقلت من مجال الأرض إلى مجال النظام الدولي. فالدولة التي تأسست عبر التوسّع، حملت في وعيها السياسي تصورًا للعالم باعتباره مجال نفوذ، لا شبكة من كيانات متكافئة. ومع تحوّل الولايات المتحدة إلى قوة كبرى، أُعيد إنتاج منطق الإزاحة، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا وأقل مباشرة.
في هذا السياق، لم تعد “العقبة” شعبًا أصليًا، بل قائدًا سياسيًا، أو نظامًا، أو مشروعًا وطنيًا يسعى إلى إدارة موارده خارج منظومة الهيمنة. وهنا يظهر التحول المفصلي: الإزاحة لم تعد تُمارَس باسم التفوق العرقي أو الحق الإلهي، بل باسم الاستقرار، أو الشرعية الدولية، أو الديمقراطية، أو حماية السوق العالمي. غير أن المعيار الفعلي ظل ثابتًا: مدى قابلية الطرف الآخر للاندماج الوظيفي داخل النظام الذي تقوده القوة المهيمنة.
من هنا يمكن فهم نمط متكرر في السياسة الأمريكية الحديثة، حيث يتم أولًا نزع الشرعية الرمزية عن القائد “المزعج”، عبر توصيفه بالديكتاتورية أو الشعبوية أو تهديد الأمن، ثم يُفتح المجال لأدوات الضغط المختلفة، من العقوبات الاقتصادية إلى العزل السياسي، وصولًا أحيانًا إلى الانقلاب أو التدخل المباشر. في هذا المسار، لا تكون القيم المُعلنة هي المحرّك الحقيقي، بل تُستدعى بوصفها غطاءً أخلاقيًا لقرار اتُّخذ سلفًا داخل منطق المصالح.
اللافت أن هذه العقلية لا ترى نفسها عدوانية، بل إصلاحية. فهي تقدّم تدخلها بوصفه تصحيحًا لمسار “مختل”، تمامًا كما قُدّم إقصاء الشعوب الأصلية يومًا ما بوصفه شرطًا للتقدّم وبناء الحضارة. الفارق الوحيد أن الإقصاء المعاصر يتم بلغة القانون والمؤسسات، لا بلغة السلاح وحده، وإن ظل الأثر النهائي متقاربًا في كثير من الحالات.
وعليه، فإن الاستيلاء على قارة في القرن الثامن عشر، والتخلّص من قادة يُنظر إليهم كعقبات في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ليسا حدثين منفصلين، بل مرحلتين في تطوّر مشروع واحد، يعيد تعريف الشرعية تبعًا لموازين القوة، ويقيس قيمة البشر والأنظمة بمدى نفعها داخل منظومة السيطرة على الموارد والنفوذ. في هذا الإطار، يصبح السؤال الأخلاقي مؤجّلًا دائمًا، بينما يظل سؤال القوة هو الحاسم: من يملك القدرة على البقاء، ومن يُطلب منه أن يتراجع أو يختفي.
تبدأ السلسلة الحديثة بوضوح مع محمد مصدّق في إيران عام 1953. مصدّق لم يكن ثوريًا راديكاليًا، بل ليبراليًا وطنيًا قرر تأميم النفط الإيراني ووضعه تحت سيادة الدولة. هذا القرار، في منطق القوة، لم يكن إصلاحًا اقتصاديًا بل كسرًا لقاعدة السيطرة الغربية على الموارد. فجاء الرد عبر عملية استخباراتية مشتركة أطاحت به، وأُعيد الشاه إلى الحكم. هنا يتضح النموذج الأول: قائد منتخب، قرار سيادي، ثم إزاحة باسم “الاستقرار”.
يتكرر المشهد بصيغة أكثر عنفًا مع سلفادور الليندي في تشيلي عام 1973. الليندي حاول إعادة توزيع الثروة وتأميم قطاعات استراتيجية عبر أدوات ديمقراطية خالصة. لكنه مثّل خطرًا مضاعفًا: ليس فقط لأنه مسّ المصالح الاقتصادية، بل لأنه قدّم نموذجًا بديلًا يمكن أن يُحتذى. النتيجة كانت انقلابًا عسكريًا دمويًا، أنهى التجربة وأعاد البلاد إلى بيت الطاعة الجيوسياسي.
في الثمانينيات، نرى تحوّلًا في الأسلوب مع مانويل نورييغا في بنما. الرجل كان حليفًا سابقًا، ثم تحوّل إلى عبء بعد أن خرج عن الدور المرسوم له. لم يُسقَط بانقلاب داخلي فقط، بل بتدخل عسكري مباشر انتهى باعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة. الرسالة هنا لم تكن محلية، بل عالمية: السيادة نفسها قابلة للمصادرة إذا اختلّت المعادلة الوظيفية.
مع مطلع الألفية، وصل المنطق إلى ذروته مع صدام حسين. لم يعد الأمر متعلّقًا بقائد “مزعج” فقط، بل بإعادة هندسة إقليم كامل غني بالطاقة. جرى نزع الشرعية تدريجيًا، ثم الغزو، ثم إسقاط الدولة ذاتها لا النظام فقط. كانت هذه لحظة فارقة انتقل فيها الاستهداف من القائد إلى الكيان.
في ليبيا، يتكرر النمط بصيغة مختلفة مع معمر القذافي. بعد سنوات من الاحتواء النسبي، أعيد تعريفه فجأة كـ”خطر على شعبه”، وجرى فتح الباب لتدخل دولي انتهى بتفكيك الدولة ومقتل القائد. لم يكن النفط الليبي خارج الحساب، ولا الموقع الجغرافي، ولا الرغبة في إعادة تشكيل شمال أفريقيا.
أما في أمريكا اللاتينية، فتمثّل تجربة هوغو تشافيز محطة وسطى. لم يُسقَط نهائيًا، لكن جرى استهدافه بمحاولة انقلاب عام 2002، ثم بحصار اقتصادي وإعلامي طويل. وعندما انتقلت السلطة إلى نيكولاس مادورو، تواصل الاستهداف بشكل أقل درامية وأكثر إنهاكًا: عقوبات خانقة، اعتراف برئيس موازٍ، عزل سياسي، وتجفيف اقتصادي. لم يكن الهدف إسقاطًا سريعًا، بل إنهاك الدولة إلى حد فقدان قدرتها على القرار المستقل.
من مصدّق إلى مادورو، لا نرى تسلسلًا عشوائيًا، بل نمطًا واضحًا:
قائد يسعى لسيطرة وطنية على الموارد → نزع شرعيته سياسيًا وأخلاقيًا → استخدام أدوات الضغط المناسبة للسياق → إزاحته أو تحييده أو تحويل دولته إلى كيان هش.
بهذا المعنى، فإن الوقائع التاريخية لا تُعد شذوذات في السياسة الأمريكية، بل تطبيقات متكرّرة لعقلية تأسيسية ترى في الاستقلال الحقيقي خطرًا، وفي الموارد حقًا مكتسبًا لمن يملك القوة. وما يتغير عبر العقود ليس المبدأ، بل اللغة والأدوات، بينما يظل الهدف ثابتًا: ضمان عالم مفتوح للهيمنة، مغلق أمام النماذج المستقلة.

Comments