نعم...كنّا فقراء..ولكن أثرياء بعزتنا....!!

Osama Hamdy
أرحل بذاكرتي ويرحل جيلي معي ليتذكر أيامًا لا يمكن أن ننساها أبدًا فهى مازالت محفورة في ذاكرتنا ونترجمها حتى الآن عشقًا لهذا البلد وربما لن يفهمها أبدًا هذا الجيل الحالي إن لم يسخر حتى منها! فقد قصَّوا له التاريخ وزيفوه ثم لصقوه له في مخه مشوهًا وهو لم يره أو يعشه فصدقهم سماعًا وآمن بما قالوا وهمًا. أيامًا فرض علينا فيها الغرب مجتمعًا حصارًا اقتصاديًا وذلك لإركاع مصر وكسر أنف زعيمها وإزلال شعبها. لم تكن في بنوكنا دولارات ولم يعترف البنك الدولي يومها بإقتصادنا وإعتبره إقتصادًا هشًا ضعيفًا ورفض حتى إقراضنا تحت الضغط الغربي. كنَّا دولة صغيرة فتية تواجه دُولًا عظمى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا. كنّا فقراء كدولة بمعنى الكلمة ولا نملك حتى القدرة على الإستدانة وكانت مواردنا محدودة جدًا رغم آمالنا العظيمة ورغبتنا الصادقة في النهوض. فقررنا كشعب التضحية بكل شىء لبناء بلدنا وتصنيع جميع احتياجاتنا مهما كلفنا ذلك. كان وابور الكيروسين في كل مطبخ ولمبة الجاز الخافته على إستعداد دائم لإنقطاع الكهرباء المستمر. كانت المكواة الحديدية في كل بيت وكان البقال لا يبيع لنا سوى الجبن الأبيض والحلاوة الطحينية والعسل الأسود والطحينة وبعض انواع السمن المحلى النادر. كان هناك ثلاثة أنواع فقط من الصابون الأول أزرق ويسمى أبو الهول لغسيل الملابس والثاني صنلايت لغسيل الأطباق والثالث نابلسي شاهين للإستحمام. لم نعرف الشامبو او الصابون ذو الرائحة ولا رفاهية العيش فإنقطاع المياة والكهرباء كان حدثًا يوميًا. ورغم ذلك كانت ربات البيوت تُصَّنِع الصابون المحلي في منازلها وتصنع المربات والشربات المركز وتقشط الألبان لتصنيع السمن البلدي وتربي الدواجن. كان الشاى والسكر من الرفاهيات ونحصل عليه ببطاقات التموين مع زيت بذرة القطن بعدد أفراد الاسرة. أوقفنا الإستيراد تمامًا وبدأنا التصنيع. فحين أنتجت المصانع الحربية البوتاجاز كان نوعًا واحدًا في كل منزل وكنا سعداءًا به. وأنتجت شركة النصر للتليفزيونات نوعًا واحدًا فقط فحجزناه وانتظرناه لسنوات. صنعنا سيارة لأول مرة وأطلقنا عليها رمسيس وصنَّعنا الثلاجة إيديال والغسالة النصف آليه لتزداد رفاهية الطبقة الوسطى التى كانت تنمو بإضطراد لتشكل ضمير هذه الأمة وواقعها الجديد. كان عندنا قناعة تامة ونحن نشتري الكستور المصري لتفصيل ملابسنا وكان عندنا عزة ونحن نشتري إنتاجنا من شركه المحلة الكبرى من أفرع صيدناوى وعمر أفندي وشركة بيع المصنوعات المصرية. ورغم كل ذلك طالبنا رئيس الدولة وقتها بربط الأحزمة حتى ننفذ خطتنا الخمسية الاولى والثانية ووقف الشعب يدًا واحدة للتضحية بجيل كامل من أجل أجيالًا قادمة نزرع لها الأمل ليحصدوه. وأنشأنا بسواعدنا مئات المصانع ليعمل بها شبابنا وإفتخرنا ببدلة عمالنا الزرقاء أكثر من ياقاتنا البيضاء. ودارت عجلة الإنتاج والتصنيع في كل مدينة مصرية فكان من الصعب أن يوجد عاطلا بلا عمل. كان هناك قناعة بأن المستقبل أفضل وأجمل وأن الغد أسعد وأبهج. تسلحنا بالتعليم الجيد في مدارس حكومية ممتازة من أستاذة عظام وإنتشرت الوحدات الصحية في كل ركن بمصر توقف المرض والموت المبكر. ورغم إنهيار الكثير من أحلام هذا الجيل العظيم بالهزيمة العسكرية وإحتلال الأرض إلا إن هذا الجيل المضحي رفض بإيباء وكرامة الهزيمة وبدأ الإعمار ثانية وحرب الاستنزاف التي أرهقت عدوه ونالت منه رغم تهجير ثلاثة مدن كاملة مع توقف الملاحة تمامًا في قناة السويس وتلاشي دخلها. ورغم كل ذلك وفي وسط كل هذا الزخم خرج المبدعون في الفن والثقافة والعلم ينشرون فنهم الى كل عالمنا العربي. وأرسل الأزهر البعثات التبشيرية الى كل ركن في افريقيا. وفتحت مدينة البعوث الإسلامية أبوابها لطلبة العالم ليدرسوا في أزهرنا الشريف اللغة العربية والدين الوسطي. وذهب المدرسون والأطباء الى كل مدينة عربية لتعليم أبنائها تحت نظام إعارة محكم تحملت فيه الدولة رواتب المدرسين في الدول الفقيرة مثل الصومال واليمن. كانت الوطنية المصرية وحب البلد في أوج مجدهما وكان تراب هذا البلد أغلى عندنا من ثروات الأرض مجتمعة. وكان شعارنا يد تبني ويد تحمل السلاح. كانت كرامتنا في السماء وكان صوت إذاعتنا يغذو كل بيت عربي وأنشأنا الإذاعات الموجهة بكل لغات الارض. لم نكن نرتدي ملابس اليوم بظاهرها الديني بل كان رداؤنا الأخلاق الحميدة والإحترام المتبادل وكلمة الرجل التي كانت وقتها أضمن وأحكم من أى عقد. كانت هذه مصر العظيمة كما عرفناها وكان هذا جيلنا وجيل أبائنا الكرام. حين قال الرئيس وهو من أبناء جيلنا أن ثلاجته كانت خاوية لسنوات تذكرت هذه الأيام وربما كان حاله وقتها أفضل من الغالبية التى كانت لا تملك ثلاجة في ذلك الوقت واستمرت تبرِّد المياه في القلل القناوي وتضع صنيتها في بلكونة منازلها وتلحمها إذا سربت مياهها. ومرت السنين بتخبطها لنكتشف ان جيلنا وجيل أبائنا قد أضاع مجهوده هباءًا منثورًا حين رأينا جيلًا جديدًا يشكو ولا يعمل يكذب ولا يخجل ويفبرك ولا يعتذر ولا يحترم كبيرًا كان أم صغيرًا. ويستمع الى الأغاني الهابطة وكأنها طرب اصيل ويتمايل لها. يلبس زيًا دينيًا بلا أخلاق ويدعي الفضيلة ولا ينفذها فالكذب والنفاق والنميمة والفضول والتطاول أصبحت من سمات العصر. وضاعت لغتنا العربية الجميلة الى الفرانكو آراب. وأصبح الجشع والطمع والرغبة في الوصول مهما كانت الوسيلة من المسلمات وأصبح المال هدفًا في حد ذاته وليس وسيلة! وتحول الجميع الى سماسرة عقارات وأراضي. تخيل الآن لو أن هذا الجيل قد طُلِب منه ربط الأحزمة كما طلب منا أو الاستغناء عن إستيراد الرفاهيات كما فعلنا او أن يغسل ملابسه كما غسلنا أو أن يشتري ملابسه من الصناعة المصرية فقط كما لبسنا أو أن يصنع صابونه في بيته كما صنعنا أو يكتفي بالفول والجبن والحلاوة كما أكلنا وحمدنا..أو أن يعتبر الشاي رفاهية كما إعتدنا..؟!!!!
نعم كنّا فقراء إلا من الكرامة والعزة فهل تتذكرون ما أتذكر؟ وهل من أمل ان نعود بهذا الجيل الحالي لربع ما كنّا عليه يومًا؟ وماذا ينقصنا لنفعل ذلك؟

No comments:

من ذكريات التأميم

ذات يوم.. 26 يوليو 26 يوليو 1956 ........................ عبدالناصر يتأخر«ساعة ونصف»فى إعلان تأميم قناة السويس ويكرر اسم ديلسيبس 17 مرة ف...