يعرض الفيلم الوثائقي "الإسلاميون: ثورة الفقيه والشعب" اللحظة التأسيسية لواحد من أكثر الأنظمة السياسية إثارة للجدل في العصر الحديث. لكن قراءة التحولات الإيرانية تفرض علينا ألا نقف عند حدود عام 1979، بل أن نتأمل كيف تحولت "البذرة" التي زرعها الخميني إلى غابة من المؤسسات، الصراعات، والأجنحة المتصارعة التي شكلت وجه إيران اليوم.
1. البذرة: شرعية "الدم" مقابل شرعية "الصندوق"
يوثق الفيلم لحظة مفصلية أطلق عليها الخميني "انتصار الدم على السيف". هذه اللحظة لم تكن عاطفية فحسب، بل كانت التأسيس الفلسفي لنظام يعتمد على "الشرعية الثورية". ومع ذلك، وبمجرد استقرار الحكم، واجه النظام معضلة: كيف تتحول الثورة الحالمة إلى دولة تدير البيروقراطية والاقتصاد؟
الحل الذي وضعه الخميني كان "الدستور الهجين"، الذي يجمع بين ولاية الفقيه المطلقة وبين مؤسسات منتخبة (برلمان ورئاسة). هذا الهجين هو الذي خلق "ديناميكية الصراع" التي نراها اليوم؛ حيث يتصادم باستمرار تيار يرى في "الفقيه" ظل الله على الأرض، وتيار يرى في "جمهور الشعب" مصدر السلطات.
2. مرحلة "الترميم" وواقعية رفسنجاني (1989 - 1997)
بعد رحيل الخميني عام 1989، دخلت إيران مرحلة "الجمهورية الثانية". هنا برز علي أكبر هاشمي رفسنجاني كـ "مهندس الدولة".
التحول السياسي: حاول رفسنجاني نقل إيران من "تصدير الثورة" إلى "بناء الدولة". ركز على الإعمار بعد الحرب العراقية الإيرانية الطاحنة، وحاول فتح قنوات دبلوماسية مع الغرب والجوار العربي.
البعد الاقتصادي: أدخل مفاهيم الخصخصة والانفتاح، لكنه في المقابل مهد الطريق لصعود "التكنوقراط" ونفوذ اقتصادي أوسع للمؤسسات العسكرية (كالحرس الثوري)، وهو ما خلق فجوة طبقية بدأت تظهر آثارها لاحقاً.
3. الانفجار الإصلاحي ومأزق "المجتمع المدني" (1997 - 2005)
يشير الفيديو إلى صعود محمد خاتمي كمنعطف تاريخي. هنا لم تعد المطالب تتعلق بالخبز فقط، بل بـ "الحرية" و"سيادة القانون".
صدمة النظام: فوز خاتمي الكاسح أثبت أن القاعدة الشعبية للثورة (الشباب والنساء) بدأت تتمرد على القوالب الجامدة.
الانسداد السياسي: اصطدمت طموحات خاتمي بـ "الجدار الصلب" لولاية الفقيه والمؤسسات غير المنتخبة (مجلس صيانة الدستور). هذا الانسداد هو الذي ولد شعوراً بالإحباط لدى الأجيال الشابة، مما أدى لاحقاً إلى احتجاجات "الحركة الخضراء" عام 2009.
4. العودة إلى الجذور: نجاد والحرس الثوري (2005 - 2013)
يمثل محمود أحمدي نجاد في التحليل السياسي "رد فعل المحافظين" على محاولات العلمنة والانفتاح.
الشعبوية الدينية: أعاد نجاد لغة الثورة الأولى، لغة "المستضعفين" ضد "المترفين" (مستهدفاً إرث رفسنجاني نفسه).
عسكرة السياسة: في عهده، تغلغل الحرس الثوري في مفاصل الاقتصاد والسياسة الخارجية بشكل غير مسبوق، وأصبح "دولة داخل الدولة"، مما غير موازين القوى الداخلية لصالح التيار المتشدد تماماً.
5. إيران اليوم: ما بين "المرجعية" و"الشارع"
الجيل الذي يتحدث عنه الفيلم في نهايته هو الجيل الذي يقود المشهد الآن. إيران اليوم تعيش صراعاً ثلاثي الأبعاد:
أزمة الخلافة: مع تقدم سن القيادة الحالية، يدور صراع صامت حول من سيخلف "الولي الفقيه"، وهل ستظل المؤسسة الدينية هي القائد، أم سيتحول النظام إلى "حكم عسكري" بعباءة دينية؟
الفجوة الجيلية: هناك انفصال تام بين قيم "جيل الثورة" (الذي ضحى بالدم) وجيل "الإنترنت" الذي يطالب بحياة طبيعية بعيدة عن الأيديولوجيا، وهو ما تجلى في احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية".
الضغوط الجيوسياسية: تحولت إيران من "ثورة محاصرة" إلى "لاعب إقليمي" يمتلك نفوذاً في أربع عواصم عربية، لكن هذا النفوذ يرهق الاقتصاد الداخلي ويزيد من عزلة الدولة دولياً.
خاتمة: هل استنزفت الثورة طاقتها؟
إن التحليل السياسي المعمق لرحلة إيران من عام 1979 حتى اليوم يظهر أن "البذرة" التي زرعها الخميني أنتجت نظاماً شديد الصمود أمام الأزمات الخارجية، لكنه شديد الهشاشة أمام التحولات الاجتماعية الداخلية. الثورة التي قامت لتنصف "الفقراء" و"المستضعفين" تجد نفسها اليوم في مواجهة مع أحفاد هؤلاء المستضعفين الذين يطالبون بدولة "قانون" لا دولة "فتوى".
إيران لا تزال في "مخاض دائم"، والفيلم الوثائقي يذكرنا أن البداية كانت من الشارع، ويبدو أن الشارع هو من سيكتب الفصل الأخير من هذه القصة.
.jpg)
Comments